متابعة/المدى
رغم التقدم المسجّل في أعمال إزالة المخلفات الحربية بمحافظة ذي قار خلال عام 2025، إلا أن مساحات واسعة من أراضي المحافظة ما تزال تعاني من آثار الحروب السابقة، في ملف لا يزال يشكل تهديداً مباشراً لحياة السكان ويعرقل خطط التنمية والاستثمار في مناطق عديدة.
وكشف مصدر في مديرية الدفاع المدني بمحافظة ذي قار، في حديث تابعته "المدى"، أن الفرق المختصة تمكنت خلال عام 2025 من رفع وإزالة 12 ألفاً و841 مقذوفاً حربياً ومتساقطاً جوياً، في عمليات ميدانية وُصفت بالخطرة نظراً لطبيعة المواد المتفجرة المنتشرة في مناطق مختلفة من المحافظة.
وبيّن المصدر أن الجهود المبذولة، رغم أهميتها، لا تزال دون مستوى الحاجة الفعلية، في ظل استمرار وجود مساحات ملوثة تتطلب عمليات تطهير واسعة، مشيراً إلى أن فرق الدفاع المدني تعتمد في عملها مبدأ الأولويات، وتركز على المناطق السكنية والأراضي الزراعية ومناطق التوسع العمراني لتقليل المخاطر على المدنيين.
وفي سياق متصل، أظهرت وثيقة صادرة عن المركز الإقليمي الجنوبي لمكافحة الألغام التابع لوزارة البيئة العراقية أن إجمالي المساحات الملوثة بالمخلفات الحربية في ذي قار حتى عام 2025 بلغ نحو 89 ألفاً و418 متراً مربعاً، موزعة على عدة مناطق داخل المحافظة.

ووفق البيانات الرسمية، يتصدر قضاء سوق الشيوخ قائمة المناطق الأكثر تلوثاً بمساحة بلغت 66 ألفاً و872 متراً مربعاً، تليه مدينة الناصرية بأكثر من 22 ألفاً و339 متراً مربعاً، فضلاً عن وجود مساحات ملوثة أخرى في قضاء الجبايش، ما يجعل مناطق جنوب المحافظة من أكثر البؤر خطورة.
وتعود جذور هذا التلوث، بحسب تقارير وزارة البيئة العراقية المرتبطة باتفاقية حظر الذخائر العنقودية، إلى العمليات العسكرية خلال حربي عامي 1991 و2003، والتي خلّفت كميات كبيرة من الألغام والمقذوفات غير المنفلقة في مساحات شاسعة من البلاد.
كما نفذت دائرة شؤون الألغام خلال الأعوام بين 2010 و2016 عمليات مسح غير تقني شملت ست محافظات هي البصرة وميسان والديوانية والنجف وواسط وبغداد، أظهرت أن إجمالي المساحات الملوثة في العراق تجاوز 2.8 مليار متر مربع، بينها أكثر من 100 مليون متر مربع صُنّفت مناطق شديدة الخطورة آنذاك.
وتشير دراسات بيئية لاحقة إلى أن حجم المساحات الملوثة شهد تغيرات ملحوظة بين عامي 2013 و2022، بسبب اكتشاف مواقع جديدة ملوثة تعود لفترات الحروب، لم تكن مسجلة سابقاً، ما أدى إلى ارتفاع الأرقام بدلاً من انخفاضها.
وتعكس هذه الأرقام واقعاً معقداً تعيشه ذي قار، حيث تتقدم عمليات التطهير ببطء، بينما يظل خطر المخلفات الحربية قائماً، مؤثراً على حياة السكان وعلى فرص الاستثمار والتنمية في المحافظة.
وفي تشرين الأول 2025، سجلت المحافظة حادثاً مؤلماً حين فقد أحد منتسبي فرق معالجة المخلفات الحربية حياته أثناء أداء واجبه، بعد انفجار مقذوف خلال عملية تفكيكه، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجهها الفرق المختصة في عملها اليومي.
من جانب آخر، كشف مدير مركز الأطراف الصناعية في ذي قار، فلاح حسن، أن المركز قدّم منذ تأسيسه عام 2013 خدماته لـ2326 مستفيداً، بينهم 1583 شخصاً فقدوا أطرافهم نتيجة الألغام والمخلفات الحربية داخل المحافظة.
وأوضح أن خدمات المركز لا تقتصر على توفير الأطراف الصناعية، بل تشمل برامج التأهيل والمتابعة الطبية بهدف مساعدة المصابين على استعادة قدرتهم على الحركة والاندماج في المجتمع، رغم محدودية الإمكانات مقارنة بحجم الحاجة المتزايدة.
وتشير بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الألغام والمخلفات الحربية ما تزال تنتشر في العراق على مساحة تقدّر بنحو 2100 كيلومتر مربع، ما يشكل خطراً مستمراً على المدنيين ويعرقل عودة النازحين واستثمار الأراضي الزراعية، فضلاً عن تأثيره المباشر على مشاريع الإعمار والتنمية.
وسجلت الأعوام 2023 و2024 نحو 78 حالة قتل وإصابة نتيجة انفجارات المخلفات الحربية، فيما شهدت محافظة البصرة مطلع عام 2025 حادثة مأساوية أودت بحياة ثلاثة طلاب إثر انفجار مخلف حربي في قضاء أبي الخصيب، في تذكير جديد بأن آثار الحروب في العراق ما تزال تحصد الضحايا حتى اليوم.









