TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

نشر في: 5 فبراير, 2026: 12:39 ص

جورج منصور

منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود، من ديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام سيادة الدول. فقد اتسمت «السياسة الأمريكية الجديدة» في عهده بعداء واضح للأجانب، ونزعة عدوانية تجاه كل ما هو مختلف، داخلياً وخارجياً.

على الصعيد الداخلي، أعاد ترامب إنتاج خطاب الكراهية ضد المهاجرين، مصوّراً إياهم خطرًاً على «الهوية الأمريكية» وأمنها واقتصادها، مستغلاً مخاوف اجتماعية واقتصادية حقيقية لتحويلها إلى وقود لخطاب شعبوي يقوم على التحريض بدلاً من المعالجة. ولم يكن هذا الخطاب مجرد دعاية انتخابية عابرة، بل تحوّل إلى سياسات وإجراءات صارمة، استحضرت فصولاً مظلمة من التاريخ الأمريكي، حين كان الانتماء العرقي أو الديني سبباً كافياً للإقصاء والتمييز.
أما في السياسة الخارجية، فقد مالت ادارته بوضوح إلى منطق التهديد والابتزاز العلني، متجاوزة قواعد الدبلوماسية التقليدية والتحالفات المتوازنة. فالدول التي لا تتماشى مع رؤيته أو ترفض الانصياع لمطالبه، تُواجَه بعقوبات اقتصادية وتهديدات سياسية وضغوط إعلامية مباشرة، في خرق صارخ للأعراف الدولية. لقد تحوّل شعار «أمريكا أولاً» من مجرد شعار انتخابي إلى ذريعة لتبرير التدخل في شؤون الدول الأخرى، والتعامل معها ككيانات تابعة وليس كشركاء متساوين.
ويُعدّ العراق مثالًا على هذا النهج التدخلي. فبينما تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع العراق بصفته ساحة نفوذ ومصالح، فإن العهد الترامبي منح هذا التعامل طابعاً أكثر فجاجة وصراحة. فقد تكرر صدور تهديدات مباشرة بفرض عقوبات أو سحب دعم أو التدخل في قرارات سيادية، كلما اتخذت الحكومة العراقية أو قواها السياسية مواقف لا تتناغم مع الرؤية الأمريكية أو تمسّ مصالحها الإقليمية.
هذا التدخل لا يعبّر فقط عن استخفاف فحسب بسيادة الدولة العراقية، بل يكشف عن عقلية ترى في الدول الضعيفة أو الخارجة من الأزمات ساحات مفتوحة للابتزاز. وهو نهج يُضعف فرص الاستقرار، ويُغذي الانقسامات الداخلية، بدلاً من دعم بناء دولة مستقرة قادرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
إن الأخطر في سياسة ترامب ليس عدائيتها الظاهرية فحسب، بل إسهامها العميق في تقويض النظام الدولي القائم على التوازن والاحترام المتبادل. فعندما تتبنى قوة عظمى منطق القوة المُطلقة، وتُشرعن التدخل السافر في شؤون الآخرين، فإنها تفتح الباب أمام فوضى عالمية، يكون ضحيتها الأكبر الدول الضعيفة وشعوبها.
وفي مواجهة هذا الواقع، تبرز حاجة ملحّة إلى أن تعيد الدول المتضررة، ومنها العراق، التأكيد على مبدأ السيادة الوطنية، وبناء علاقات خارجية قائمة على الندية والمنفعة المتبادلة، لا على التبعية والإملاء. كما يتحتم على الرأي العام العالمي، اليوم أكثر من أي وقت مضى، فضح هذه السياسات الإقصائية والعدوانية، والتذكير بأن الاختلاف ليس تهديداً، بل جوهر التعدد البشري.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدران والعقوبات والتهديدات، بل إلى سياسات تعترف بالآخر وتحترم إرادة الشعوب، وهو بالضبط ما يبدو غائباً إلى حدّ بعيد في «السياسة الأمريكية الجديدة» التي يجسّدها دونالد ترامب.
عواقب السياسة التوسعية: تهديدٌ للنظام الدولي برمته
سياسة ترامب القائمة على إشعال الصراعات وتطبيع فكرة انتهاك سيادة الدول، لا تقود، إن استمرت، إلا إلى نتائج كارثية تتجاوز حدود الولايات المتحدة، وتهدد بنية النظام الدولي بأكمله.
أولاً، تُقوّض مبدأ سيادة الدول الذي شكّل حجر الأساس للنظام العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. مجرد التلويح بضم أراضٍ تابعة لدول مستقلة، كما حدث مع غرينلاند التابعة للدانمارك، أو التصريحات الاستفزازية حول كندا، يعني فتح الباب أمام سابقة خطيرة: إذا جاز لقوة عظمى أن تفكر علناً في ابتلاع جيرانها، فما المانع أن تحذو حذوها قوى أخرى؟ عندها لن تكون الحدود معالم قانونية، بل محض نتائج مؤقتة لصراعات القوة.
ثانياً، تُشرعن هذه السياسة منطق القوة على حساب القانون. عندما يصف ترامب رئيس وزراء كندا بـ»العمدة»، فإنه لا يطلق نكتة عابرة، بل يمارس إهانة رمزية مقصودة تهدف إلى تجريد دولة ذات سيادة من شرعيتها السياسية، وتحويلها في الوعي العام إلى كيان تابع. هذا الخطاب ليس تفصيلاً لغوياً، بل أداة سياسية تُستخدم لتمهيد الطريق أمام مزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية، وربما العسكرية لاحقاً.
ثالثاً، ستؤدي هذه المقاربة إلى سباق خطير نحو التوتر والصراعات. فالدول المستهدفة لن تقف مكتوفة الأيدي، بل ستبحث عن تحالفات مضادة وتُعزّز قدراتها الدفاعية، ما يرفع منسوب التسليح والعسكرة عالمياً. وبدلاً من عالم متعدد الأطراف تحكمه المؤسسات الدولية، سنعود إلى عالم الكتل المتصارعة، حيث تُحسم الخلافات بالتهديد والعقوبات وربما القوة.
رابعاً، تخلق هذه السياسة سابقة أخلاقية مدمرّة. فإذا قُدِّم انتهاك السيادة أو التهديد به على أنه «حق» للقوي، فإن مبادئ احترام الشعوب وتقرير المصير وعدم التدخل ستصبح شعارات فارغة. وهذا النهج بالتحديد هو ما يغذي النزاعات المزمنة في مناطق هشّة كالشرق الأوسط، حيث تُستخدم الذرائع نفسها للتدخل وخلق الوقائع الجديدة.
خامساً وأخيراًَ، فإن أخطر نتيجة قد ما تفضي إليها سياسة ترامب هي تفكيك الثقة الدولية بالولايات المتحدة ذاتها، فالحلفاء سيدركون أن التحالف مع واشنطن لم يعد قائماً على قيم أو مصالح مشتركة راسخة، بل على مزاجيات منقلبة ونزعات استعلائية آنية. وهذا ما يدفع العالم، تدريجياً، نحو البحث عن توازنات جديدة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
باختصار، سياسة التهديد والاستهانة وإشعال الصراعات التي يمارسها ترامب، لا تبني «أمريكا أقوى»، بل تُنتج عالماً أكثر فوضى وأقل استقراراً وأكثر عرضة للانفجار.عالماً تدفع فيه الدول الصغيرة والمتوسطة الثمن الأول، بينما تدفع الإنسانية جمعاء ثمن إحياء منطق الإمبراطوريات الذي ظنّ العالم أنه ودّعه للأبد.
رد الفعل الدولي: كسر حاجز الصمت
يمكن النظر إلى الرد الكندي الحازم بوصفه نقطة تحوّل رمزية وسياسية في طريقة تعامل الحلفاء مع طموحاته التوسعية. فخروج الخطاب الكندي من قفص المجاملة الدبلوماسية إلى فضاء التأكيد الصريح على السيادة ورفض الإهانة، كسر حاجز الصمت الذي قيّد ردود فعل حلفاء واشنطن طويلاً.
لقد أدركت دول كبرى مثل بريطانيا وإيطاليا، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، أن الاستمرار في دعم ترامب أو التغاضي عن خطابه التوسعي لم يعد موقفاً «براغماتياً»، بل أصبح مجازفة استراتيجية. فسياستة لا تميّز بين الخصم والحليف؛ الجميع في نظرها أدوات قابلة للإستخدام أو الإهانة وفقاً لمتطلبات اللحظة.
في بريطانيا، بدأ التماهي الكامل مع الموقف الأمريكي بالتراجع، لصالح ظهور أصوات سياسية وإعلامية تحذر من الانجراف خلف إدارة تتعامل مع التحالفات كأعباء. أما إيطاليا، التي سعت سابقاً إلى لعب دور الوسيط المتعاطف، فقد وجدت نفسها أمام حقيقة مفادها أن الصمت لا يوفر الحماية، بل يجلب الضعف والاستضعاف.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد تلقّى الرسالة الكندية بوضوح. فالهجوم على دولة مستقرة وديمقراطية وحليفة تاريخية مثل كندا، جعل الأعضاء الأوروبيين يدركون أن أي دولة منهم قد تكون الهدف التالي، عبر عقوبات أو ضغوط أو تشكيك بشرعيتها. ومن هنا، بدأت ملامح مراجعة جادة لسياسات المهادنة، مع عودة إلى خطاب الدفاع عن التعددية واحترام السيادة.
والأهم أن الموقف الكندي ذكّر العالم أن الوقوف في وجه القوة المتغطرسة لا يتطلب بالضرورة قوة عسكرية مكافئة، بل يتطلب إرادة سياسية ووضوحاً في الخطاب. وهذا ما حث دولاً أخرى على إعادة تقييم حساباتها: هل من الحكمة دعم زعيم يهدد الأسس التي قامت عليها التحالفات الدولية نفسها؟
لم تضعف التصريحات الكندية من ترامب بشكل مباشر، لكنها هزّت صورة «الإجماع الغربي» الداعم له، وفتحت الباب أمام تحالف دولي أكثر حذراً، وأقل استعداداً لمنح تفويض مفتوح لمشاريع توسعية تهدد استقرار العالم.
وهكذا، فإن الوقوف ضد طموحات ترامب السافرة لم يعد مجرد موقف أخلاقي، بل أصبح خياراً عقلانيًاً ضرورياً للدفاع عن السيادة واستقرار النظام الدولي في وجه منطق لا يعترف إلا بلغة القوة والإذعان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram