بغداد / علي الدليمي
افتتح المدير العام لدائرة الفنون التشكيلية، الدكتور قاسم محسن، المعرض الشخصي للفنان العراقي المغترب غسان غائب، الذي أقيم على قاعة كولبنكيان في بغداد، وحمل عنوان «السبّورة»، بحضور نخبة من النقاد والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي.
ويُعد المعرض أحدث تجارب الفنان وأبحاثه في مجال الفن المعاصر، إذ ينتمي إلى الاتجاهات المفاهيمية والتجريدية المختزلة، والمنفذة عبر تركيبات «الأنستاليشن»، مقدماً رحلة بصرية تعيد قراءة الذاكرة من خلال «السبّورة» بوصفها رمزاً تعليمياً ووجدانياً.
وضم المعرض عشرين عملاً فنياً بتفاوت في المقاسات وأساليب التنفيذ، اشتغل فيها غائب على تنويع الخامات من خلال الدمج بين الألوان الزيتية والأكريليك على القماش، إلى جانب التقنيات المختلطة، مستخدماً مواد متعددة منحت الأعمال ملمساً بصرياً يحاكي تقادم الزمن على الألواح الخشبية القديمة. كما جسدت الأعمال مفاهيم المحو والتدوين، في تأكيد لقدرة الفنان على تطويع المادة لخدمة الفكرة الفلسفية للمعرض.
ويُعد هذا المعرض محطة مهمة في مسيرة غسان غائب الفنية، كونه يمثل تلاقحاً بين تجربة الاغتراب والرؤية الفنية الحديثة من جهة، والجذور العراقية من جهة أخرى، إذ حوّل «السبّورة» من أداة تعليمية صامتة إلى فضاء تعبيري مفتوح على التأويل.
وتقدّم المجموعة الجديدة قراءة بصرية عميقة لمفاهيم الذاكرة والتدوين التاريخي، حيث يتجاوز الفنان دور الرسام ليقترب من فعل التنقيب في طبقات الوعي الجمعي العراقي، مستخدماً «السبّورة» فضاءً للمحو والإثبات وصراع الهويات.
ويحمل اختيار «السبّورة» دلالة سيميائية واضحة، إذ تُستحضر في الذاكرة العراقية كمكان للتلقين والسلطة المعرفية، قبل أن يحولها الفنان إلى مساحة تفكيك بصري وفلسفي. وتعكس عمليات المحو والتدوين حالة من التراكم الرمزي، حيث تختلط التواريخ بالشعارات السياسية والمعادلات الرياضية، في إشارة إلى تاريخ يُكتب ويُمحى باستمرار. وعلى المستوى البصري والتقني، تمزج الأعمال بين التعبيرية التشخيصية والفن التركيبي، مع حضور طاغٍ لثنائية الأسود والأبيض، إذ يهيمن اللون الأسود ليمنح عمقاً درامياً، مقابل بروز الأبيض والألوان الفوسفورية بوصفها إشارات احتجاجية. وفي إحدى اللوحات، تظهر عينان محدقتان في العتمة، بوصفهما استعارة للرقابة أو الذهول أمام الأحداث. كما يوظف الفنان خامات مختلطة، من بينها إدخال شباك التمويه العسكرية في أحد الأعمال، لتحويل اللوحة إلى كيان مادي يحاكي واقع الحروب، فيما لا تعمل هذه العناصر على الإخفاء بقدر ما تكشف عن عجز الرؤية الكاملة. وتبرز أيضاً أعمال توظف الكتلة والفراغ، مثل قماش برتقالي معلق تحت غصن مثقوب، مولداً توتراً بين الثقل والهشاشة.
وتُعد هذه المجموعة وثيقة بصرية للشتات والذاكرة الجريحة، حيث تظهر نصوص وعبارات مثل «يسقط الاحتلال»، و«ثورة تشرين»، و«المادة: التاريخ»، في إعادة تدوير للكتابة الجدارية داخل فضاء الفن التشكيلي، بما يلغي الحدود بين الشارع وقاعة العرض. وفي أحد الأعمال، تظهر خارطة العراق باللون الأخضر على قماش أبيض جانبي، معزولة عن «السبّورة» السوداء، في إشارة إلى محاولات الحفاظ على النقاء الوطني وسط فوضى الأيديولوجيات. كما تتجلى ثيمة الاغتراب في الوجوه غير المكتملة، التي تبدو كأشباح عابرة في ذاكرة السبّورة، لتتحول الأعمال إلى دعوة مفتوحة لإعادة قراءة «الدرس العراقي»، حيث يتقاطع التاريخ مع الذاكرة، والمحو مع ما تبقى من أثر الطباشير.









