المدى/خاص
يواجه العراق تحدياً مالياً متصاعداً مع حاجة الدولة إلى أكثر من 8 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية دون إيجاد مصادر دخل بديلة قد يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار مالي صعب، خصوصاً في حال تراجع أسعار النفط أو حدوث اضطرابات في السوق العالمية.
وقال النائب السابق معين الكاظمي في حديث صحفي تابعته (المدى)، إن الحكومة المقبلة مطالبة باتخاذ خطوات سريعة لمعالجة الوضع المالي عبر قرارات اقتصادية تضمن رفع الإيرادات العامة للدولة، مشدداً على ضرورة توفير موارد مالية كافية لضمان استمرار صرف الرواتب والنفقات التشغيلية دون انقطاع.
وأوضح أن حجم الإنفاق الشهري يتجاوز 8 تريليونات دينار، ما يعني أن أي انخفاض في الإيرادات قد يخلق أزمة سيولة تؤثر مباشرة على قدرة الدولة في تأمين التزاماتها، مبيناً أن المرحلة المقبلة تتطلب خططاً تضمن وصول المدخولات الشهرية إلى أرقام أعلى من حجم الإنفاق الفعلي لتجنب الوقوع في أزمة مالية مفاجئة.
وأضاف الكاظمي أن العراق يواجه تحديات اقتصادية كبيرة تفرض على الحكومة الجديدة العمل على حلول جذرية لزيادة الإيرادات غير النفطية، إلى جانب تقليل النفقات غير الضرورية التي ترهق الموازنة العامة، داعياً إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي بما يحقق استقراراً مالياً مستداماً.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي أحمد الكربولي أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في ارتفاع حجم الإنفاق، بل في طبيعة الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عوائد النفط، ما يجعل المالية العامة شديدة التأثر بأي هبوط في أسعار الخام عالمياً.
وأشار الكربولي في حديث لـ(المدى) إلى أن نسبة كبيرة من الموازنة تذهب للرواتب والدعم والنفقات التشغيلية، بينما تبقى الاستثمارات الإنتاجية محدودة، وهو ما يضع الدولة في دائرة إنفاق مستمر دون خلق مصادر دخل مستدامة. وأضاف أن الحل يكمن في تفعيل القطاعات الإنتاجية، وخصوصاً الصناعة والزراعة، إضافة إلى إصلاح النظام الضريبي والجمركي ومكافحة الهدر والفساد المالي.
وبيّن أن الحكومة المقبلة مطالبة أيضاً بإعادة النظر في ملف التوظيف الحكومي العشوائي، وتشجيع القطاع الخاص على خلق فرص عمل حقيقية تخفف الضغط عن مؤسسات الدولة، فضلاً عن تفعيل مشاريع الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص لتوفير مصادر دخل إضافية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه الموازنة العراقية ضغوطاً مستمرة نتيجة تضخم أعداد الموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية، إضافة إلى ارتفاع كلفة الدعم الحكومي لقطاعات الطاقة والخدمات، وهو ما يجعل الدولة بحاجة إلى تدفقات مالية شهرية ضخمة لتغطية التزاماتها.
وخلال السنوات الماضية، تمكن العراق من تجاوز أزمات مالية بفضل ارتفاع أسعار النفط، إلا أن تجارب سابقة، أبرزها في أعوام 2014 و2020، أظهرت مدى هشاشة الوضع المالي عندما تتراجع أسعار الخام، حيث اضطرت الحكومات آنذاك إلى الاقتراض الداخلي والخارجي وتأخير بعض المستحقات المالية.
ويرى مختصون أن استمرار ارتفاع الإنفاق دون إصلاحات اقتصادية حقيقية قد يضع الحكومة المقبلة أمام خيارات صعبة، بينها تقليص النفقات أو البحث عن مصادر تمويل جديدة، وهو ما يتطلب خطة مالية واقتصادية متكاملة تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة المقبلة مطالبة بوضع برنامج اقتصادي واضح يهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، لضمان استقرار الرواتب والخدمات وتجنب أي أزمة مالية قد تؤثر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد خلال السنوات المقبلة.










