صلاح نيازي
تعبّر اللغة الإنكليزية، عن أيّام الغَرارة والطيش بSalad days (حرفيا :أيام السَّلَطة أو الزلاطة، كما في العامية العراقية) وهو بالأصل مقتبس من مسرحية شيكسبير: "أنتوني وكليوباترا" ويعني السذاجة.
في مثل تلك الأيام، يوم كنت أتبين طريقي الأدبي، سمعت لأوّل مرة على لسان شاعر من مدينة الناصرية، آسمه فاضل السيد مهدي قصيدة، وفيها يرد الصمت كلغة بليغة تفوق أية كلمة منطوقة في مناسبتها. يقول الشاعر إنه إذا التقى بحبيبته بعد عذاب الفراق: "أحييك بالصمت العميق وأدمعي"
لذبذبات هذا الصمت الدامع رنين Resonance ، يخفت ولكنْ لا ينتهي. وحين تعاضد مع "الأدمع" تضخم أكثر.
تمرّ الأيام فإذا بي أتصادف ببيتين للشاعر السوري عبد السلام عيون السود (1922-1954):
"أنا يا صديقةُ متعبٌ حتى العياء فكيف أنتِ
وحدي أمام الموت لا أحدٌ سوى قلقي وصمتي"
كان هذا الشاعر مصاباً بمرض عضال قاتل.
ولكن هل صمت الطلول الدوارس، صمت؟ هل صمت أبي الهول صمت؟
التمثال نفسه ليس له حصاة ولا أصاة، كشاهد بلا عينين.
إنه راكد قابع على نفسه لا يتفاعل ولا يتخاصب. الطلول نفسها منقطعة النفس وبيد البلى نهبى. لا يقرأ فيه إلا العشّاق المعاميد، فتات ذكريات ذاوية حاتّة.
أمّا قصيدة أحمد شوقي “أبو الهول" فنمط غريب، لأنه لم ينظر إلى التمثال كقطعة فنية، بل جعله وسيلة لبثّ آرائه الفلسفية هو.
لا ريب يتفق النقاد على أن قصيدة أحمد شوقي تأليف متدفق كنهر فائض تنعدم فيه ضفافه الأصلية. حقّا ظهرت في هذه القصيدة معظم خصائص شوقي الشعرية من قوافٍ محكمة، إلى موسيقى عروضية مسحورة، إلى صور طافحة بالحياة كأنها تتنفس. (في النية تخصيص مقالة برأسها لهذه القصيدة الألغوزة قريباً) بالمثل ولكنْ مع الفارق، شاع في الشعر الإنكليزي مفهوما الأطلال والصمت، ولا سيّما في القرن التاسع عشر، كقصيدة روبرت هودRobert Hood (1799- 1845):" أتذكّر أتذكر".
يصف فيها أنواعاً مختلفة من الصمت، من ذلك النوع الذي يرين على الأطلال والقبور والأماكن المنعزلة.
ولا ننس روبرت براونينغ Browning وقصيدته: "حبّ بين الأطلال" التي تصدرت مجموعته الشعرية: "رجال ونساء".
تحدّث براونينغ في هذه القصيدة عن أطلال عاصمة قديمة، مذكّراً القراء أن كل الأشياء البشرية، مهما كانت قوية، مآلها إلى الزوال. الحبّ في نظره يتفوّق على العظمة التأريخية.
قد تكون قصيدة الشاعر الإيرلندي بتلر ييتس المعنونة: "الحشرة الطويلة الساق" الأشهر في الشعر الإنكليزي المعني بالصمت والأطلال.
يقول ييتس:
"سماع الألحان شئ لذيذ، ولكنّ الألحان التي لا تُسمع أحلى".
المعروف أن ييتس كان متأثراً بالشاعر الصوفي جلال الدين الرومي.
تتكون قصيدة الحشرة الطويلة الساق من ثلاث فقرات، عالجت الصمت الذي يسبق القيام
بالأعمال الجسيمة، وضرب مثلاً بالقائد الروماني قيصر وهلينا الطروادية وكيف انتصرت
بصمتها، وبمايكل أنجلو وكيف أنجب الصمت فنّه الخالد.
يقول ييتس في الفقرة الأولى من قصيدة: "الحشرة الطويلة الساق":
"قائدنا القيصر في الخيمة
حيث الخرائط مفتوحة أمامه
عيناه محدّقتان في لا شيء
يده فوق رأسه
مثل الحشرة الطويلة الساق واقفة على جدول جارٍ
(ثمّة تحليل طريف لهذه القصيدة للكاتبة الأمريكية Nayeli Rianoبعنوان:
"الحضارة والصمت".
مع ذلك فالصمت وكذلك الطلل الذي تنشده هذه المقالة مختلف تماماً. الصمت هنا متى ما كان هو نفسه خلّاقاً إبداعيا، له صفة العنصر الكيمياوي، متى ما تفاعل يطلع عليك بصفات جديدة. لتوضيح هذه الفكرة سنعطي ثلاثة أمثلة من الأدب الغربي، ولمَ اختلف عن الأدب العربي.
لنتعرف في البدء على الصمت في تخطيطات باربرا هيبورث Barbara Hepworth أشهر نحاتة إنكليزية في القرن العشرين وكيف بات من أهمّ مقومات لوحاتها تلك.
أنجزت باربرا هيبورث هذه الرسومات الفريدة في أواخر الأربعينيات، وتُصوّر فيها عمليات جراحية بإحدى المستشفيات بلندن. تم لها ذلك، حينما دعاها أحد الأطباء لحضور العملية الجراحية التي كان يجريها لابنتها سارة عام 1944.
أنجزت باربرا هيبورث خلال عامين، ثمانين تخطيطاً لعمليات جراحية مختلفة، وعُرضتْ فيما بعد في أحد المعارض بلندن. استقبله النقاد بإكبار.
رسمت هيبورث هذه التخطيطات بقلم رصاص وحبر وطباشير، إلا أن معظمها أنجز بقلم رصاص والدهان الزيتي على المقوّى.
في هذه الرسومات تجسيد بليغ للصمت. الصمت يرين على كل المرئيات. وجوه الأطباء والممرضات المقنعة، حركات الأصابع المحسوبة بدقة، العيون المتحاورة، بلقطات مقرّبة. الصمت هو اللغة الوحيدة للتفاهم.
تحس وأنت تنظر إلى الصمت في هذه التشريحيات برهبة وخشوع كتلك الرهبة التي يشعر بها المرء عادة في حومة مقدسة، أو صومعة.
الصمت في حالة كهذه، يجعل الحواس حاسة واحدة متراكزة ومتعاضدة لتشمل كامل المشهد.
تقول باربرا هيبورث، إنّ أوّل ما شدّ انتباهها لدى دخولها قاعة التشريح:
"جمال الهدف الاستثنائي، والتنسيق بين الفريق الطبّي العامل، وكلّهم مكرّسون
لإنقاذ حياة، وثانياً، الدقّة الاستثنائية " الدقة بين العقل والجسد، وهذا قريب جدّاً مما كنت أفتش عنه في عملي النحتي" وتقول: "ثمّة علاقة وثقى بين عمل الجرّاح وعمل النحات".
توفيت باربارا هيبورث عام 1975 وهي في الثانية والسبعين، نتيجة نشوب حريق في بيتها بسبب إغفائها وسقوط سيكارتها على الفراش.
المعروف أنّ هيبورث تأثرت بالحركة التكعيبية ولاسيما الرسام الاسباني بيكاسو والرسام والنحات السويسري البرتو جاكومتي Alberto Giacometti. حاولت أن تدخل التكعيبية في النحت.
***
الأمر مختلف حينما يتعلق الأمر بالمسرحية التلفزيونية: "إي يا جو" Eh Joe للكاتب المسرحي الإيرلندي صاموئيل بيكيت، وهي أوّل عمل مسرحي تلفزيوني له.
المعروف أن بيكيت درس الفن التلفزيوني وآليات الإخراج، دراسة عميقة لهذا الغرض.
كان يجلس إلى جانب المخرج أثناء تسجيل المسرحية.
استعمل بيكيت في هذه المسرحية القصيرة (ثماني عشرة دقيقة) تسع كاميرات، بلقطات مقرّبة، Close ups ، لتكبير حجم الصمت ، وعِظَم معاناة "جو".
الصمت هنا تقاس مسافاته بالثواني. ثانية. ثانيتان. ثلاث ثوانٍ...كما سنرى.. كذا أنزل بيكت الأدب من الوحي والإلهام والجن، إلى تصنيع، جعله ورشة.
في هذه الورشة الأدبية، لكلّ كلمة، لكلّ تعبير، مسافة زمنية مقننة. كل كاميرا تتقدم بخمس بوصات.
الصمت هنا لا يعني بأية حال، غياب الصوت. إنه عنصر فعّال، يشير إلى "حالة سيكولوجية ووجودية، تمرّ بها الشخصية الرئيسة Protagonist أو كما يقول بيكيت: "لا تنظر إلى المعنى في الكلمات بل إصغِ إلى الصمت". أمّا هذه الوقفات الصامتة Pauses
فهي بناء هيكلي ولها معنى مقصود، تماماً كالألفاظ المنطوقة.
كذلك تُظهر هذه الوقفات جرح “جو" الداخلي، وتبكيت ضميره. إنّه يختنق بدخانه.
قلنا إن طول المسرحية ثماني عشرة دقيقة وإن هذه الوقفات الصامتة وعددها تسعة، جزء أساسي من النصّ.
ربط بعض النقّاد هذا الرقم تسعة، ( وهو عدد الكاميرات التي استخدمت في المسرحية)، بالدوائر التسع في جحيم دانتي “الكوميديا الإلهية"، وهي تشير إلى أن كلّ صمت يحين دوره إنما يقرّب "جو" من نهايته العقلية، واحتمالاً
من نهايته الروحية.
"جو" هو الشخصية الوحيدة في المسرحية، في أواخر الخمسينات من عمره.
تلتقطه الكاميرا من الخلف في غرفة نوم صغيرة. "جو" لا ينبس بكلمة واحدة طيلة المسرحية. وإنما هناك صوت آمرأة خفيض أبطأ من المعتاد، آتٍ من الخارج.
الصوت يؤنّب “جو" على ما اقترف من ذنوب، كان والداه أوّل ضحاياه، توالت بعد ذلك النساء اللواتي غرّر بهنّ، وخذلهنّ، وتسبب في انتحارهنّ.
اللقطة الأولى في المسرحية، تُري جو وهو جالس على حافة السرير في غرفة النوم. ينهض ببطْء, يفتح ويغلق الشباك، ثمّ يفتح ويغلق الباب. يركع وينظر تحت السرير. كذا يصمم "جو" لنفسه سجناً.
انفرد الصوت الآتي من الخارج به، وراح يوسعه تأنيباً وتجريحاً.
للكلمات مفعول آلات تعذيب مسنونة، لا سيّما وهي تُلقى برتابة.
أصبحت الكاميرات التسع شاهدة على جحيم “جو" النفسي. "جو" يتشظّى.
أخطر الكامرات هي التاسعة التي شهدت دقائق انتحار الفتاة الأخيرة، أوّلاً بأوّل. صوّرها بيكيت بطريقة مؤرقة تورث الذعر والهلع لدرجة لا تطاق.
***
الصمت في أوبرا فيدليو
كان بيتهوفن مهتمّاً بمفهوم الصمت: “Concept “ فقد استنسخ في دفتر مذكراته عام 1813 اقتباساً شعريّاً من الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي:
"تعلّم أن تبقى صامتاً، أيها الصديق، فالكلام مثل الفضة، لكن أن تبقى صامتاً في الوقت المناسب، فذهبٌ خالص".
يذكر البروفسور باري كووبر Barry Cooper وهو متخصص ببيتهوفن:
"الصمت في الموسيقى كان محطّ الأنظار في الآونة الأخيرة، بما في ذلك، كتاب كامل بعنوان: "الصمت" للكاتب الأمريكي الطليعي جون كيج John Cage.
رغم أن الصمت موجود في كلّ أعمال بيتهوفن، إلا أنه في أوبرا فيدليو Fidelio أكثر وضوحاً.
إنها مشهورة بالصمت الدرامي، والوقفات الموسيقية، لتعميق التأزّم واليأس والانتصار.
يُعتبر بيتهوفن، الموسيقيّ الأوّل الذي يتعامل مع الصمت كموضوع حقيقي واعتباره جزءاً من التأليف. ففي مشهد الزنزانة مثلاً يقول السجين السياسي فلورستان: "يا إلهي، أيّ ظلامٍ هنا: صمت مرعب"، وهو بلا شك صمت
بصري كما يصنفه النقاد، لاسيما وأن فلورستان كان سجيناً لمدة سنتين محروما، من النور.
"ربما يجمل القول هنا بأن قصة فيدليو، واقعية حدثت أيّام الثورة الفرنسية.
تدور القصة حول سجين سياسي اسمه فلورستان . كان ضحية مدير السجن المستبد "بيزارو" الذي زجّه بالزنزانة لمدة سنتين، محروماً من النور".
زوجة السجين غيَرت اسمها النسوي إلى اسم رجالي" فيدليو"، وتنكرت كرجل، وعملت حارسة في السجن لإنقاذ زوجها. مدير السجن مصمم على قتل فلورستان قبل مجيء الوزير.
على أية حال، من مشاهد الصمت: في الفصل الثاني حينما يتقدم مدير السجن لطعن فلورستان المتهالك تتوقف الموسيقى تماماً، وهنا تصرخ معلنة عن نفسها كزوجة: "أقتلْ زوجته أوّلاً". هددتْ مدير السجن.
عندها توقفت الأوركسترا.
وفي الفصل الثاني، قبل سماع البوق إيذاناً بوصول الوزير وخلاص السجين السياسي، ثمة مسافة زمنية ساكنة، ممزوجة بالقلق والحيرة والفرج... إلخ
الصمت بصفته لغة إبداعية
"الصمت هو اللغة الأُمّ" صاموئيل بيكت

نشر في: 8 فبراير, 2026: 12:03 ص








