متابعة/المدى
أصدرت محكمة جنايات نينوى، اليوم الأحد، حكماً بالإعدام بحق الطبيب إسماعيل عطية كرجي، بعد إدانته بقتل زوجته الطبيبة إسراء عزام سليمان بإضرام النار فيها داخل سيارتها في مدينة الموصل، في واحدة من أبشع جرائم العنف الأسري التي يشهدها العراق في السنوات الأخيرة.
وذكر مجلس القضاء الأعلى في بيان تلقته (المدى) أن المحكمة أصدرت حكماً بالإعدام بحق المدان إسماعيل عطية كرجي”، مضيفاً أن “الجاني أقدم في منتصف شهر كانون الأول من عام 2025 على سكب مادة البنزين على زوجته وهي داخل سيارتها ثم أضرم النار فيها عمداً، وخلال محاولات إنقاذها فارقت الحياة مطلع شهر كانون الثاني 2026 متأثرة بحروق بليغة غطت معظم أنحاء جسدها".
وأوضح البيان أن الحكم صدر استناداً لأحكام المادة 406 / 1/ أ–ج من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
هذه الجريمة المروّعة تسلّط الضوء على واقع أكثر اتساعاً يتمثل في العنف الأسري ضد المرأة في العراق، الذي بات يشكل أزمة مجتمعية وقضائيّة، مع أرقام رسمية متصاعدة وتحديات في التشريعات والحماية القانونية.
وأعلن اللواء عدنان حمود سلمان، مدير مديرية حماية الأسرة والطفل بوزارة الداخلية العراقية، أن "الإحصاء المسجل للعنف الأسري خلال الفترة من كانون الثاني حتى أيار 2024 بلغ 13,857 دعوى، أغلبها حالات عنف بدني". وهذه الإحصاءات تشمل مسجلين من جميع المحافظات العراقية.
وأظهرت بيانات صادرة عن المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، استناداً إلى معلومات من المجلس الأعلى للقضاء، أن العراق سجل أكثر من 53,000 حالة عنف أسري خلال السنوات الثلاث الماضية (2022–منتصف 2024)، كانت نسبة 92% منها بين الأزواج.
هذه الأرقام تؤكد أن العنف الأسري ما زال آفة تؤثر على آلاف الأسر العراقية كل عام، رغم الجهود المتعثّرة في المجتمع والقانون للتصدي لها.
في مؤتمر صحفي سابق، قال اللواء عدنان حمود سلمان إن "ظاهرة العنف الأسري في العراق تمثل تحدياً حقيقياً يقتضي اهتماماً من الجهات الأمنية والقضائية والاجتماعية"، مشيراً إلى أن مديرية حماية الأسرة تتلقى شكاوى عبر الخط الساخن من كل المحافظات، وأن أعداد الحالات المسجلة لا تعكس العدد الحقيقي بسبب عدم إبلاغ الكثير من الضحايا".
وأضاف أن "الطاقم الأمني والمختصين في الوزارة يعملون على تقديم الدعم وإعادة التأهيل للضحايا، لكن غياب قانون متين لحماية الأسرة يعوق جهود الحماية والمحاسبة".
من جانب آخر، دعا الرئيس السابق للجنة المرأة والأسرة النيابية، صبري إلى ضرورة تشريع قانون قوي لمناهضة العنف الأسري، مؤكدة أن "البيانات الرسمية تكشف أن الظاهرة مقلقة وتتطلب إجراءات عاجلة على مستوى التشريع والتنفيذ".
إلا أن قانون مناهضة العنف الأسري لا يزال معلقاً في البرلمان منذ سنوات، رغم دعوات متكررة من منظمات المجتمع المدني والناشطات والناشطين، ما يضع المنتقدين في مواجهة بطء التشريع وعراقيل سياسية وثقافية تعيق حماية الضحايا.
يربط مسؤولون حكوميون وأنظمة حماية الأسرة في العراق بين ارتفاع معدلات العنف الأسري ووجود عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية عدة منها الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وضغوط الفقر والبطالة، ما يزيد من التوترات الأسرية، وغياب وعي كافٍ بحقوق المرأة والأسرة في بعض البيئات الاجتماعية.
وأجمع مختصون على أن هذه العوامل تساهم في إبقاء العنف الأسري ظاهرة متفشية، وأن الحل لا يقتصر على التشديد القانوني وحده، بل يتطلب برامجاً تثقيفية واجتماعية وتعاوناً بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني.
وفي هذا السياق، يقول الناشط المدني وائل قيس: "العنف الأسري ليس مشكلة فردية يعالجها الحكم القضائي في قضية واحدة، بل هو مؤشر اجتماعي يحتاج إلى إجراءات متكاملة تشمل التشريع الفعّال، وتطبيق القوانين دون تمييز، ودعم الضحايا نفسياً واجتماعياً".
وأضاف قيس أن "التسجيل المستمر للحالات، والدعم الفوري للضحايا، والاستجابة السريعة للحالات الطارئة، من شأنها أن تُظهر جدّية الدولة في مكافحة العنف الأسري وتحقيق العدالة”، محذراً من أن “غياب حماية فعّالة سيدفع العديد من الضحايا إلى الصمت والخوف من التبليغ، ما يزيد من دائرة المعاناة".
وتمرّ قضية العنف الأسري في العراق اليوم بمنعطفات حاسمة؛ فهي ليست مجرد سلسلة من حالات الاعتداءات الفردية، بل هو واقع مجتمعي تتداخل فيه العوامل القانونية والاجتماعية والثقافية.
قضية الطبيب الذي حُكم عليه بالإعدام بعد إدانته بحرق زوجته في الموصل تُعد مثالاً صارخاً على الجانب الأكثر تطرفاً لهذه الظاهرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن أعمق أزمة تتطلب استجابة عاجلة من الدولة والمجتمع، من تشريعات حماية قوية إلى آليات تنفيذ فعّالة، وصولاً إلى تكاتف جهات الأمن والقضاء والمجتمع المدني لإيقاف هذا النزيف المأساوي الذي يطال النساء والأسر العراقية.










