ترجمة المدى
أعربت الأمم المتحدة يوم الخميس عن قلقها إزاء المستويات الكارثية لسوء تغذية الأطفال في ولاية شمال دارفور ومنطقة كردفان الكبرى في السودان بسبب استمرار النزاع المسلح، محذّرةً من أزمة مجاعة وشيكة في أنحاء البلاد إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فورية، في وقت أكدت فيه منظمة “أنقذوا الأطفال” أن أطفالًا في أنحاء البلاد “يموتون بالفعل بسبب أعراض متعلقة بالجوع”.
واستنادًا إلى دراسة أجراها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، وهو نظام عالمي لمراقبة الأمن الغذائي، فقد تجاوز سوء التغذية الحاد العتبات الحرجة في منطقتين من شمال دارفور عقب سقوط مدينة الفاشر تحت سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول 2025. كما أشار التقرير إلى أن سوء التغذية ينتشر بسرعة في منطقة كردفان الكبرى، حيث تم بالفعل تأكيد حدوث مجاعة في كادقلي، مع توقع ظروف شديدة السوء في الدلنج وجبال النوبة الغربية.
وأشار خبراء الأمم المتحدة إلى أن هذه المعدلات المرتفعة من سوء التغذية تدل على زيادة خطر ارتفاع معدلات الوفيات، لافتين إلى أن ظروفًا مشابهة يمكن العثور عليها في مناطق أخرى متضررة من النزاع. وأضافوا أن عدد حالات سوء التغذية الحاد من المتوقع أن يرتفع في عام 2026 مع استمرار تصاعد العنف بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
كما شدد الخبراء على أن السبب الرئيسي لانتشار سوء التغذية هو استمرار النزاع المسلح في السودان، والذي أدى إلى تدمير أنظمة الغذاء، وتعطيل الأسواق، وانهيار البنية التحتية الصحية ومرافق المياه. ولهذا دعت الأمم المتحدة إلى وقف فوري للأعمال القتالية وتنفيذ إجراءات لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية على نطاق واسع لمنع مزيد من التدهور.
وقد عكست دراسة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي هذه تقارير سابقة للأمم المتحدة، التي حددت وجود ظروف مجاعة في خمس مناطق عبر السودان، مع احتمال امتدادها إلى خمس مناطق إضافية، في حين تواجه 17 منطقة أخرى خطرًا مرتفعًا. ومع ذلك، شدد التصنيف المرحلي على أن دراسة يوم الخميس لا تمثل تصنيفًا رسميًا للمجاعة، وإنما تهدف فقط إلى تسليط الضوء على تفاقم الأزمة في السودان.
وفي أواخر عام 2024، أعلن التصنيف المرحلي المتكامل حدوث مجاعة في مخيمات النزوح زمزم وأبو شوك والسلام في شمال دارفور، وكذلك في جبال النوبة الغربية. وبعد أقل من عام، تم تأكيد المجاعة أيضًا في مدينة الفاشر بشمال دارفور، وفي بلدة كادقلي المحاصرة بولاية جنوب كردفان.
قالت الأمم المتحدة الشهر الماضي إن نحو 8.1 مليون شخص في السودان يواجهون خطر المجاعة الوشيكة. كما أشار تقرير التصنيف المرحلي إلى أن سوء التغذية الحاد مرشح للتفاقم خلال عام 2026، مع تسجيل نحو 4.2 مليون حالة متوقعة بين الأطفال دون سن الخامسة، إضافة إلى النساء الحوامل والمرضعات.
ومن المتوقع أن يصل عدد حالات سوء التغذية الحاد الشديد – وهو أخطر أشكال سوء التغذية وأكثرها فتكًا – إلى نحو 800 ألف حالة، بزيادة قدرها 4% مقارنة بعام 2025.
وقال محمد عبد اللطيف، المدير المحلي لمنظمة “أنقذوا الأطفال” في السودان: “حياة الأطفال معلقة بخيط رفيع، وبعضهم يموت بالفعل بسبب أعراض مرتبطة بالجوع”. وأضاف أن عدم اتخاذ إجراءات فورية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح.
ودعا عبد اللطيف إلى استجابة إنسانية واسعة النطاق، مؤكدًا أنها “ضرورية لمنع الناس من الانزلاق إلى المجاعة ولتفادي المزيد من الخسائر في الأرواح والمعاناة”.
من جانب آخر، قالت مجموعة أطباء السودان إن هجومًا بطائرة مسيّرة نفذته قوات الدعم السريع المعادية استهدف مركبة تقل عائلات نازحة شمال كردفان يوم السبت، تسببت بمقتل ما لا يقل عن 24 شخصًا، بينهم ثمانية أطفال، مشيرين إلى أن المركبة كانت تنقل نازحين فروا من القتال في منطقة دبيكر، وكان من بين الأطفال القتلى رضيعان.
ودعت مجموعة الأطباء المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى “اتخاذ إجراءات فورية لحماية المدنيين ومحاسبة قيادة قوات الدعم السريع بشكل مباشر على هذه الانتهاكات”.
استهداف قافلة مساعدات برنامج الغذاء العالمي
قالت دينيس براون، منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، إن هجومًا بطائرة مسيّرة استهدف يوم الجمعة قافلة مساعدات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في ولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة عدة أفراد آخرين.
وأوضحت براون أن القافلة كانت متجهة لتوصيل “مساعدات غذائية منقذة للحياة” إلى نازحين في مدينة الأبيض بشمال كردفان عندما تعرضت للهجوم، مشيرة إلى أن الهجوم أحرق الشاحنات ودمّر المساعدات.
وأضافت في بيان أن “الهجمات على عمليات الإغاثة تقوّض الجهود الرامية إلى الوصول إلى الأشخاص الذين يواجهون الجوع والنزوح”.
كما ذكرت براون أن ضربة بطائرة مسيّرة الأسبوع الماضي أصابت موقعًا قريبًا من منشأة لبرنامج الغذاء العالمي في ولاية النيل الأزرق، ما أدى إلى إصابة أحد موظفي البرنامج.
وألقت منظمة “محامو الطوارئ”، وهي مجموعة مستقلة توثق الانتهاكات في السودان، باللوم على قوات الدعم السريع في الهجوم، بينما وصفت شبكة أطباء السودان الحادث بأنه “انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي ويرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان”.
وأدان مسعد بولس، وهو مستشار أمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، الهجوم عبر منصة “إكس”، داعيًا إلى محاسبة المسؤولين عنه.
وقال: “تدمير الغذاء المخصص للمحتاجين وقتل العاملين في المجال الإنساني أمر مروّع. إدارة ترامب لا تتسامح إطلاقًا مع هذا التدمير للحياة وللمساعدات الممولة من الولايات المتحدة، ونطالب بالمحاسبة”.
كما وصفت وزيرة التنمية الدولية وشؤون إفريقيا البريطانية، جيني تشابمان، الهجوم على قافلة برنامج الغذاء العالمي بأنه “مخزٍ”.
وكتبت على منصة “إكس” يوم السبت: “المدنيون يتضورون جوعًا، ولا ينبغي أبدًا استهداف عمال الإغاثة والعمليات الإنسانية التي تجلب الغذاء الحيوي”.
في الأشهر الأخيرة، أصبحت كردفان نقطة اشتعال في الحرب، وتمكن الجيش في وقت سابق من هذا العام من فك حصار قوات الدعم السريع عن مدينتين رئيسيتين في المنطقة.
وأدت الحرب المدمرة حتى الآن إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة، إلا أن منظمات الإغاثة تقول إن هذا الرقم أقل من الواقع بكثير، وربما يكون العدد الحقيقي أعلى بأضعاف.
كما تسببت الحرب في أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث أجبرت أكثر من 14 مليون شخص على النزوح من منازلهم، وأسهمت في تفشي الأمراض ودفع أجزاء من البلاد إلى المجاعة التي لا تزال تتوسع في ظل استمرار الحرب دون أي مؤشرات على التراجع.
عن صحف ووكالات عالمية










