د.خالدة خليل
تُشكّل العدالة الأساس الأخلاقي والسياسي لوجود الدولة، وبدونها تفقد السلطة معناها، ويتحوّل القانون إلى أداة شكلية عاجزة عن حماية المجتمع. وعندما تُنتهك الحياة الإنسانية على نحوٍ جماعي، عبر القتل الممنهج، والتهجير القسري، وسبي النساء، وتفكيك العائلات، يصبح إنصاف الضحايا التزامًا أخلاقيًا سابقًا على أي اعتبار سياسي أو قانوني، إذ إن الدولة التي تعجز عن معالجة جراح مجتمعها تُقوِّض الثقة بها، وتفتح المجال أمام الفوضى أو الانتقام.
لقد ارتكب تنظيم داعش جرائم جسيمة تمثلت في القتل المنهجي، والاغتصاب المنظّم، وخطف الأطفال ونقلهم قسرًا، وتدمير البُنى الاجتماعية والثقافية لجماعات بعينها. ووفقًا لمعايير القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، فإن هذه الأفعال تُشكّل بوضوح جريمة إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، لأنها استهدفت الوجود الإنساني لجماعات كاملة، وثقافتها، وذاكرتها، وحقّها في البقاء.
تكمن المعضلة الأخطر في الفراغ التشريعي داخل المنظومة القانونية العراقية، إذ إن القانون العراقي، ولا سيما قانون العقوبات النافذ، لا يتضمن حتى اليوم نصًا صريحًا ونافذًا يتيح محاكمة جرائم تنظيم داعش بوصفها جريمة إبادة جماعية بشكل مباشر، رغم التزامات العراق الدولية ومصادقته على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وانضمامه إليها عام 1959، الأمر الذي يفرض على الدولة واجبًا تشريعيًا وعمليًا لمكافحة هذه الجرائم.
وعلى الرغم من وجود اعتراف تشريعي بأن ما ارتكبه تنظيم داعش بحق الإيزيديين يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وذلك بموجب قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021، ولا سيما المادة (7) منه، إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في غياب قانون عقابي وطني شامل وأدوات إجرائية فعّالة تضمن توصيف هذه الجرائم ومحاكمتها وفق أركان الجرائم الدولية، وهو ما يشكّل عائقًا قانونيًا جوهريًا.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن مصطلح "الإبادة الجماعية" ورد في قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا، وتحديدًا في المادة (11)، إلا أن نطاق تطبيقه يظل محصورًا بمحاكمات تلك المحكمة الخاصة، ولا يشكّل إطارًا قانونيًا عامًا يمكن الاستناد إليه في محاكمة جرائم داعش في الوقت الراهن. وبذلك، فإن مجرد وجود المصطلح في التشريع لا يغني عن ضرورة سنّ قانون وطني شامل ومتكامل لمعالجة الجرائم الدولية، وبما ينسجم مع التزامات العراق الدولية.
إن الجريمة التي لا تُسمّى باسمها القانوني الصحيح تبقى جريمةً منقوصة الاعتراف، وقابلة للتسييس أو الطمس المؤسسي. فالقانون لا يقتصر دوره على إنزال العقوبة، بل يضطلع بوظيفة إقرار الوصف القانوني الملزم للوقائع الجسيمة، وترسيخ معيار المساءلة، وتحديد المسؤولية الجنائية بشكل لا يقبل التأويل أو الانتقائية، بما يفرض التزامًا قانونيًا على الدولة بالملاحقة والمساءلة وجبر الضرر. وحين يغيب توصيف الإبادة الجماعية، يغيب معه الإقرار القانوني بالنية الإجرامية الهادفة إلى إفناء جماعة بشرية، ويُختزل الألم الجمعي في إجراءات جنائية مجزأة تعجز عن عكس طبيعة الجريمة وأثرها الوجودي، وينبغي عدم التعامل مع هذه الجرائم بمنطق التقادم أو النسيان، بل بمنطق التوثيق والملاحقة المستمرة، انسجامًا مع الطبيعة الاستثنائية للجرائم الدولية. فالعدالة هي التزام أخلاقي وقانوني يستمر ما دام الظلم قائمًا، ويظل التأجيل يفاقم الألم ويُضعف ثقة المجتمع بالقانون.
ورغم المحاولات الجادّة التي بذلها إقليم كوردستان لإنشاء محكمة خاصة بمحاكمة عناصر داعش، اصطدمت هذه الجهود بعقبات دستورية وقانونية، من بينها رفض المحكمة الاتحادية للمقترح، وبقاء الملف معلّقًا دون إنشاء محكمة متخصصة حتى اليوم. ولم يصدر عن البرلمان العراقي اعتراف تشريعي صريح بالإبادة الجماعية أو توجيه واضح للقضاء باتباع مسار استثنائي يتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة وخطورتها.
تأجيل العدالة لا يعني الحياد، بل يُنتج فراغًا خطيرًا في الوعي الجمعي. عندما يشعر الضحايا بأن آلامهم مهملة وحقوقهم مؤجّلة، يتآكل الإيمان بالقانون، ويتحوّل الإحباط إلى بيئة خصبة لانهيار الثقة بالمؤسسات. كما تشير تجارب دول أخرى إلى أن العدالة ممكنة رغم حجم الجرح: في جنوب أفريقيا، شكلت لجنة الحقيقة والمصالحة نموذجًا ربط العفو بالاعتراف الكامل، ووضع كرامة الضحايا في صلب العملية؛ وفي رواندا، تم اعتماد نظام متعدد المستويات جمع بين المحاكم الدولية والوطنية والمجتمعية، مقرونًا ببرامج تعليمية وتنموية لمعالجة جذور الإبادة. تجارب دول أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وتشيلي وغواتيمالا، أكدت أيضًا أن الاعتراف والتوثيق شرط أساسي لشفاء المجتمعات، وفي البوسنة والهرسك، أُنشئت محاكم خاصة ودولية لدعم الضحايا، خصوصًا الناجيات، عبر رعاية نفسية واجتماعية وتعويض قانوني.
إلى اليوم، لم تُترجم هذه الدروس إلى إرادة تشريعية مكتملة داخل العراق. فاعتراف الدولة بالإبادة الجماعية وتأمين التعويض للضحايا وإعادة المهجّرين لا يزال غير مكتمل، رغم الجهد المبذول في إصدار قانون الناجيات الإيزيديات، الذي يمثل خطوة أولى في العدالة الانتقالية لكنه لا يكفي وحده لإنصاف جميع الضحايا. العدالة الحقيقية لا تتحقق بإصدار القوانين وحدها، بل بتفعيلها، بدءًا بتسمية الجريمة باسمها الصحيح، ومحاسبة كل من له يد مباشرة أو غير مباشرة في الجرائم، دون استثناء أو انتقائية.
فالعدالة، حين تتحقق، لا تُعيد الماضي، لكنها تشكّل الضمانة الأساسية لعدم تكرار الجرائم الجماعية. وبين دولة تواجه ماضيها بالتشريع والمحاسبة، وأخرى تؤجل الحقيقة وتراكم الإحباط، يقف العراق اليوم أمام خيار حاسم: إما أن يُقِرّ بالإبادة الجماعية توصيفًا وتشريعًا، ويُحمِّل مرتكبيها المسؤولية الجنائية الكاملة، ويؤسس لمسار عدالة انتقالية شامل، أو أن يترك الجرح مفتوحًا، بما يحمله ذلك من مخاطر إعادة إنتاج العنف وتقويض أسس الدولة وسيادة القانون.










