TOP

جريدة المدى > عام > حنون مجيد ينقش الغياب على ابواب مغلقة!

حنون مجيد ينقش الغياب على ابواب مغلقة!

نشر في: 9 فبراير, 2026: 12:02 ص

لؤي غائب صالح
تلمّستُ السيرة الذاتية «حجر صغير» للروائي حنون مجيد، فإذا بها ومضة نار من جراح الحقيقة. كُتبت بروح لا تخشى الوجع، ونُقشت على جدران الوعي، لتجسّد الإنسان في أقسى لحظاته وأحلاها، عبر صراعه الدامي والطويل وهو يحاول ان يعبر بجهد السبيل غير عابئ بالحواجز العالية واسلاكها الشائكة قاطعا في كل مرة عبر مشواره الطريق ذاتها مذ درج عليها اول وهلة، فتى يافعا تقوده اليها اماله الكبار بحبور تارة وتارة أخرى يسلكها كهلا بخطى ثابتة عبر المدن القديمة اذ تجول فيها، وكتب عنها حجرًا حجرًا، وجعل من صدى الهمسات والصرخات نشيدًا يتسلّل بين الضلوع كنسمة حزينة في ظهيرة خانقة، نسمة عرفها وخبر صمتها.
يمشي في الأزقة، يسمع أنين جدرانها، ويُلصق أذنه على أبوابٍ مغلقة منذ عقود، أبوابٍ نُقش عليها الغياب. كان يغلبه شغف عارم لأن يصغي لما تخبّئه الأرصفة حين ينام الناس، وللرسائل التي لم تصل أبدًا.
إنها نداء من عمق التجربة الإنسانية، وصرخة مكتومة من قلب نقي، ووثيقة حب صافية وحزينة لمن أعطى حتى آخر رمق. وحين تطلعت الى العنوان وجدته في ذروة الجمال والرقة، يختزن روح النص كلّه؛ الصمت الذي يحتويه، الجماد الذي شعر به، والذاكرة التي كانت تحيا داخل الصخر ثم تتحرر… فالنص يشبه حجرًا أملس، وُضع في مكانه، يعود الى اللمعان كقلبٍ جاء من بعيد… من الهور، من النهر، من المدينة، هذه الأماكن التي تتقاطع فيها ذاكرة الكاتب مع ذاكرتنا الجمعية.
عرف الكاتب كيف يضع الكلمات في مواضعها، كأنها مصابيح خافتة تقود عبر ممر الروح. أضفى على النص روحًا شعرية عالية، ورمزية رقيقة، وفلسفة خفيفة تجري تحته كجدولٍ خفي، تقرأ الحلم وتمنح القارئ شعورًا بأنه يكتشف ذاته لا بطل النص، مع مساحة مفتوحة للتأويل دون أن يفقد النص وضوحه الوجداني.
كانت المقدمة بذرة لما تكشفه النهاية، دون أن يشعر القارئ بفاصل بينهما؛ فقد جاءت أكثر شاعرية وهدوءًا وعمقًا. وكأنها تنهي الكلام وتبدأ الشعور. استطاع حنون مجيد أن يفتح بابًا على ظلام هادئ، يحسّ فيه المتلقي أن شيئًا يتشكّل خلف الكلمات. وصرخ بحبّه للقص حين انغمس فيه بروحه قبل عقله؛ فهو عاشق للكتابة، عاشق للفكرة التي تتجسّد مرتين: مرة عقلاً ومرة روحًا.
احتفظت السيرة بموسيقى القلق التي كُتبت بها، وظلّت أمينة لروح السرد، وهي تسعى إلى التوثيق بحرارة الوجدان، لتجعل الصورة دامية وواضحة دون أن تفقد شاعريتها، محافظة على ذلك الخيط السردي الرقيق الذي يجعل منها حكاية مؤثرة، لا مجرد نظرة إلى ماضٍ سحيق.
كتبت «حجر صغير» بأسلوب رصينٍ وتحليلٍ محكم وبهيكلٍ واضح، مع لمسة أدبيةٍ خفيفة تمنع النص من الجفاف. يحمل السرد دفءَ الزمن النقي، وتحمل الكلمات نداءً عميقًا من قلب الحياة…نداء لا يُرد ولا ينسى.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

90 ألف كتاب.. خلال 90 يوماً.. و90 ٪ خصومات

الوجودية والتنوير الشخصي

مَرَّ المَعرّيُّ سريعًا

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

موسيقى الاحد: حفل العام الجديد في كوبنهاغن

مقالات ذات صلة

الابنية العراقية كجثة للأدب ولغته عند رفعت الجادرجي
عام

الابنية العراقية كجثة للأدب ولغته عند رفعت الجادرجي

أحمد حسن في كتابه دور المعمار في حضارة الإنسان يفتح مؤلفه المعماري العراقي رفعت الجادرجي أسئلة كثيرة يتجاوز فيها سياق البناء ليبلغ جذور المجتمع منها سؤال، كيف تتكون العمارة؟ وكيف تنكسر؟ وما علاقة وعي...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram