TOP

جريدة المدى > عام > الابنية العراقية كجثة للأدب ولغته عند رفعت الجادرجي

الابنية العراقية كجثة للأدب ولغته عند رفعت الجادرجي

نشر في: 9 فبراير, 2026: 12:03 ص

أحمد حسن
في كتابه دور المعمار في حضارة الإنسان يفتح مؤلفه المعماري العراقي رفعت الجادرجي أسئلة كثيرة يتجاوز فيها سياق البناء ليبلغ جذور المجتمع منها سؤال، كيف تتكون العمارة؟ وكيف تنكسر؟ وما علاقة وعي المجتمع والنص الأدبي بها؟
يرى الجادرجي أن العمارة لا تظهر باعتبارها عملا هندسيا خالصا قام به حرفي وأنها تظهر نتيجة تراكم طويل من تأثر المجتمع في اللغة وأدبها ويعني أن الأدب الذي يؤثر في المجتمع يجعل المجتمع ينشئ عمارة تشبه الأدب الذي انسجم معه، ويضرب أمثلة حول الأدب الإنجليزي والفرنسي والروسي وتأثير الأدب في تشييد العمارة ويأخذنا إلى تأثير الأدب في فترة حكم المأمون العباسي، وكيف شيدت العمارة العباسية نتيجة الأدب واللغة آنذاك، هذه الدلالات التي يقدمها رفعت الجادرجي تجعلنا نفهم الفوضى العمرانية الحالية في الأبنية العراقية إذ تغدو الأبنية فوضوية ومتنافرة وبلا نسب ولا انسجام وإنها تكشف عن خلل أسبق في بنية ثقافة المجتمع وفي موقع الأدب داخل المجتمع.
ما شد الانتباه في فكر الجادرجي ليس قراءته للعمارة وحدها هي نظرته الأنثروبولوجيا الواسعة التي ربطت اللغة وأدبها بالعمارة ويظهر كيف للأدب دورا في وعي المجتمع ووعي المجتمع في بناء عمارة تشبه جماليات الأدب من شعر وقصة ورواية ومسرح إلى آخره وبالتالي نجد أن مقياس الأدب الحضاري عنده يمكن قراءته في رؤيته للعمارة وعندما تكون العمارة فوضوية غير متناسقة الأشكال والفنون، تشبه صريفة يستخدمها البدو الرحل في تنقلهم بين الصحراء فإن المجتمع الذي يعيش داخل هذه العمارة يكون غير حضاري لم يعرف الأدب وأهمية اللغة ويعيش الحداثة بإطار البداوة.
واتباعا لرؤية الجادرجي عام 2010 عندما كنت أمشي على ضفاف دجلة من شارع أبي نؤاس وصولًا إلى باب الشرقي مرورا بالسعدون في بغداد اذ شعرت في ذهني أنني لا أعبر شوارع بقدر ما أتنقل بين طبقات زمنية متراكبة وأن العمارة التي رأيتها لا تشبه ما يحيط بحي الزعفرانية الذي أعيش به. العمارة التي رأيتها بدت أقرب إلى سرد طويل وفيه من الزقورات القديمة ومن بغداد العباسية، ومن أحلام مدينة عرفت كيف تصوغ نفسها بالكلمات قبل الطابق. والأرصفة تحمل صدى شعر أبي نؤاس والمتنبي والجدران تحفظ أثر الفكرة التي قدمها الكندي والمدينة تعرض نصها لمن يقرأ بعين الروح.
وفي الوعي العراقي القديم، لم يختزل الأدب في قصيدة أو كتاب كما أن العمارة لم تفهم على أنها طابوق وعمال. الاثنان تحركا معا كجسدين يتقاسمان نبضا واحدا ومن أور إلى بغداد العباسية ومن الأسواق إلى القباب، كان الشعر يكتب الفضاء العام وكانت المباني تنطق بلغة الفكر.
أبي نؤاس لم يترك كلمات معلقة في الهواء فهو أسس شارعا وروحا ومزاج مدينة. والكوفة صاغت عمرانها كما صاغت نحوها، والبصرة بنت منطقها المعماري كما بنت عقلها الجدلي، وبغداد جمعت ذلك كله، فصار المتنبي همسا في الأزقة والجاحظ أثرا في المكتبات والقباب ذاكرة تعرف كيف صنِع الإنسان قبل المكان. وكل قبة ارتفعت كانت تفهم الفلسفة وكل مبنى كان يقرأ الكندي وابن الهيثم والخوارزمي وكل شارع حمل وعي مدينة تعرف معنى التناسب بين الفكرة والشكل.
في الزعفرانية عشت في مدارسها ومجتمعها فالناس قبل عام 2003 كانت تتأثر بأدب حزب البعث في المسلسلات والأغاني والمسرحيات التي كانت تنتجها سلطة صدام حسين. وان أدب البعث في زمن صدام تمثل في مسلسل ذئاب الليل الجزء الأول والثاني، وأيضًا مسلسل عالم الست وهيبة ومسرحية بيت الطين، وشعر خضير هادي، وافلام وثائقي ذاكرة كي لا ننسى عن الحرب العراقية الايرانية، وأغاني كاظم الساهر و حاتم العراقي. ولم نر أدب الجواهري، ولا الأدب الأنثروبولوجي لعلي الوردي، ولا أدب العمارة لرفعت الجادرجي، ولا المقامات العراقية القديمة، ولا ادب شعر مظفر النواب وعريان السيد خلف لم نتعرف على الأدب الإنجليزي والفرنسي والإغريقي، ولا حتى السومري والبابلي. علق في أذهاننا أدب ابن زمزم مهيدي في عالم الست وهيبة وأبو جحيل وادب عريف شلتاغ وقرية الديسيم. هذا النوع من الأدب أنتج مجتمعا فارغ الذاكرة ومجتمعا لا يملك قيمة حضارية ومجتمعا استبدل المصطلحات الحضارية بمصطلحات البداوة التي روج لها حزب البعث. وهذا الأدب أنتج لنا عمارة وأسواقا وشوارع مثل سوق الهواء، الذي شكله أسوأ من حياة البداوة في العصور الجاهلية، وأنتج شارعا اسمه شارع البطل وأنتج عمارات بأسماء القبائل والعشائر، وعمارة لا تحترم الطفولة ولا المرأة ولا تحترم ذات العراقي. وهذا الأدب أنسى العراقيين زرياب العراقي والإتيكيت الذي سوقه إلى الأندلس في الأكل والطعام، فتحولت البيوت العراقية من نها بيوت الزعفرانية في التسعينيات إلى الأكل على الأرض وبطريقة بدوية كما كان يعشها صدام حسين في قرية العوجة لأن السلطة أنتجت أدبا يشجع على البداوة التي يريدها صدام حسين وحاشيته لانهم بدو رحل.
وبعد عام 2003 أخرجت السلطة أدبا أسوأ من أدب حزب البعث، البداوة الدينية. أخرجوا لنا أدبا أكمل مشروع أدب صدام حسين، أدبا حولوا فيه الأغنية العراقية إلى كولات عشائرية قبلية بدوية، والقصيدة إلى نص ديني قبلي، ونشروا صورهم في الشوارع العراقية، وحولوا أسماء المدن مثل ساحة الفردوس. أنتجوا مزيدا من البداوة الدينية. لم يخرجوا لنا الشريف الرضي الشاعر وذات الادب الجمالي ولم يخرجوا لنا ادب البويهين مثل وزيرهم ابن سينا. حتى تحولت المدن في العراق إلى صرائف عشائرية اشبه بسقيفة بني ساعدة، وأصبحت الدكة العشائرية أدبا، والكولة العشائرية أدبا، وتحولت المدن إلى عشوائيات، مما يجعل العراق اليوم أشبه بقرية تعرضت لهجوم من قبيلة أخرى، تشبه قرى حرب البسوس قرية مات الأدب الحضاري فيها، الادب تاثر به الشريف الرضي والطوسي والادب الذي انتج نهج البلاغة وحلت بدلًا عنه ثقافة بدوية نظام السياسي في العراق تنتج عمارة حديثة بطراز بدوي مولات بدوية وجسور متخلفة الموقع قبل المظهر.
ويمكن تلخيص ما أثاره المعماري الجادرجي في أن الصراعات بين البداوة الحضارة تسللت إلى اللغة واللغة انكمشت لصالح البداوة، فتحول الشعر اليوم إلى خطاب قاسٍ فاقد للحرفة، وانحنى النص الادبي أمام السلطة. وراينا كيف يجلس الادباء قبل الانتخابات مع رئيس السلطة ومع هذا الانحناء تغيرت هيئة المدن. الأبنية فقدت نسبها، والألوان تفرقت، والتناسق غاب. ظهرت مشاريع تحمل أسماء الحكام الجدد، لا أثر للحضارة وأدبها. والمدينة بدأت تنوح بصمتها والعمارة صارت مشهدا يشبه جثة مرمية في مكب نفايات.
رفعت الجادرجي كان يلتقط هذا الصدى، كان يرى الأرض العراقي وهي تتألم تحت أبنية لا تفهمها وكان يدرك أن التشوه لا يولد في الخرسانة بقدر ما يكمن في الفكرة التي سبقتها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

90 ألف كتاب.. خلال 90 يوماً.. و90 ٪ خصومات

الوجودية والتنوير الشخصي

مَرَّ المَعرّيُّ سريعًا

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

د. حسين علي هارف: كثر الباحثون والمنظرون في المسرح وقلّ النقاد الحقيقيون

مقالات ذات صلة

الصمت بصفته لغة إبداعية
عام

الصمت بصفته لغة إبداعية

صلاح نيازي تعبّر اللغة الإنكليزية، عن أيّام الغَرارة والطيش بSalad days (حرفيا :أيام السَّلَطة أو الزلاطة، كما في العامية العراقية) وهو بالأصل مقتبس من مسرحية شيكسبير: "أنتوني وكليوباترا" ويعني السذاجة. في مثل تلك الأيام،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram