TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

نشر في: 9 فبراير, 2026: 12:04 ص

 ستار كاووش

تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج الذي يسببه لك، وغير مهتماً إن كان وقتكَ مناسباً للرد على إتصاله. تجلس على طرف السرير تفكر بالاتصال الليلي المزعج، فيما التلفون يَرِن…ويرن… وكأن الشخص الذي في الجهة الأخرى يبدو مستغرباً لعدم ردك على إتصاله (المهم جداً) وربما يتساءل مع نفسه (أَيُعقَل أن يكون نائماً؟ لماذا لا يُجيب؟). نعم أنا نائم وأنتَ تحاول أن تسلب مني راحتي في هذا الوقت المتأخر!
لا يتوقف الأمر هنا على سوء تقدير الوقت فقط، بل يحرمك من النوم ولا تستطيع أن تغفو من جديد بعدما صحوت على صوت الهاتف. وحتى لو كنتَ قد وضعتَ هاتفك على وضعية الصامت فلم تتخلص من هذا النوع من الإزعاج، فإهتزاز التلفون يكفي لجعلك تصحو من النوم. والأغرب من كل هذا هو غالباً أن لا شيء يربطك بالمتصل، لا تعرفه ولم تتبادلا أرقام الهواتف ولا يوجد أي شكل من أشكال من التواصل بينكما! لكنه رغم ذلك يرى الأمر من منظار آخر ولا يتردد بالإتصال بالوقت الذي يعجبه. والعملية تبدو هكذا، فما أن يفتح هذا الشخص تلفونه متصفحاً فيسبوك، يقع بصره على علامة الاتصال وينقر على أيقونة التلفون بثقة عجيبة ولا مبالاة. الذوق هو أن تراعي وقت الآخرين وتحترم خصوصياتهم. وحتى لو كنتَ مهتماً بهم فعلاً، فليس من الصعب أن تعرف بأن الوقت متأخراً في البلد الذي تتصل به.
طريقة التعامل مع الآخر هي التي تعكس معدنك الحقيقي، وقيمة الإنسان تنبع من كيفية النظر الى الآخرين وطريقة إحترامه لهم، ومحاولة عدم التجاوز عليهم حتى لو كان ذلك دون قصد. والأمر يشبه طريقة أولئك الذين يمدون لك أيديهم للمصافحة، فيما هم ينظرون الى مكان ثانٍ أو الى شخص آخر! أو الذين تُلقي عليهم التحية بحرارة فيكتفون بالرد بإيماءة صغيرة من وجوههم!
يقولون أنها تفاصيل صغيرة وتحدث غالباً دون قصد، لكن المشكلة هنا هي أن أغلب التفاصيل التي تُصاحب سوء الذوق تحدث دون قصد، لأن الكثيرين قد تعودوا من الأساس على عدم الإكتراث بالآخر، كما نرى ذلك أثناء الكلام، حيث ينبثق الكثيرون بالتحدث دون منحكَ حق الكلام، وحتى لو تحدثت فأن لهم أساليبهم بمقاطعتك كل لحظة، وهذا هو مصدر قُوَّتهم الوحيد! نعم، قوتهم هي أن لا يمنحونك أية فرصة للكلام، وهذا برأيي تجاوزاً لكل حدود التواصل. قد تبدو الأشياء صغيرة، لكنها تقول الكثير عن ذوق الناس وطريقة تعاملهم. والغريب أن غالبية هؤلاء يكونون في الأغلب منفوشي الريش، متجهمي النظرات، عابسي الوجوه، ومقطبي الملامح. فكيف نثق إذن بمن يقول أن الحياة جميلة وهو ذاته متجهم الوجه؟ حتى الأبتسامة هي كرم رفيع المستوى، التحية كذلك، وهذا ما يجعلنا ننجذب الى هذا ونعجب بتلك.
الكثير من هذه التفاصيل والتعبيرات وطريقة التعامل تكتشفها أحياناً بالمصادفة، مثل الموقف الذي وجدتُ نفسي فيه قبل بضعة أيام، حيث كان عليَّ ولسببٍ ما التواصل مع شخص عراقي في شمال هولندا، كان بمثل عمري أو أكبر مني قليلاً، يبدو لطيفا وطيباً كعادة العراقيين، لكني انتبهت الى شيء مهم وغريب جداً أثناء الحديث معه. فهذا الرجل لم يكف عن مناداتي بكلمة حجي، حيث كان يقحم هذه الكلمة مع كل سؤال أو طلب أو مخاطبة، كقوله (شكراً حجي، تعال حجي، تمام حجي، تِسلَم حجي…) وهكذا ما أن يسألني أو يطلب مني شيئاً أو يشير إلى حالة معينة إلا ويخاطبني بكلمة حجي التي شعرتُ بأنها إحتلت أسمي وهيئتي ووضعي الكامل. في البداية ظننتها مصادفة، لكنه بعد أن كررها أكثر من عشر مرات في غضون دقائق، فهمتُ بأنني المقصود والمستهدف حقاً بهذه التسمية. ما معنى حجي هنا؟ ولماذا أكون حجياً بالنسبة له؟ ألم يتعلم الناس كلمة أستاذ لمخاطبة الآخرين الذي لا يعرفونهم؟ فكرت كثيراً بهذه الكلمة التي ذكرتني بشخصية حجي راضي التي قدمها الفنان سليم البصري. ورغم معناها الجميل عند الكثيرين، لكني مازالت أردد ضاحكاً هذه الكلمة مع نفسي، حتى تخيلتُ بأن معرضي القادم ربما سيكتب عنه (معرض الحجي ستار كاووش).

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram