د.فالح الحمـــراني
أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما في ذلك العسكرية. وحذرت إيران أن أي عدوان أمريكي سيؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة. و أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدوره أن طهران تستطيع تجنب هذا السيناريو الخطير إذا وافقت على الشروط التي وضعها الجانب الأمريكي، والتي تشمل إزالة اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد، والتخلي عن الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم القوات الوكيلة في الشرق الأوسط. إلا أن الجميع يدرك أن طهران لن توافق على هذه الشروط.
ويتطور الوضع المحيط بإيران في أوائل شباط 2026 إلى حالة تحكم بالغموض، حيث تُستخدم في آنٍ واحد الخيارات الدبلوماسية والعسكرية وبشكلٍ مُتبادل. وتُبدي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعدادًا للتفاوض، لكنها تُصاحب ذلك بتحذيرات شديدة اللهجة وضغوط إعلامية، مما يُوحي لطهران بضيق هامش المناورة. في هذا السياق، تبدو المفاوضات نفسها أقل شبهاً بالبحث عن حلول وسط، وأكثر شبهاً باختبار نهائي لمدى استعداد إيران لقبول شروط تتجاوز بكثير الأجندة النووية.
وسرعان ما تحولت الخلافات حول شكل ومكان الاجتماع - إسطنبول أم مسقط، حوار ثنائي أم منصة موسعة مع الشركاء الإقليميين - من تفصيل فني إلى مؤشر سياسي. وبالنسبة لواشنطن وحلفائها، تفقد المفاوضات التي لا تتناول الصواريخ الباليستية والجماعات التي تصفها بالوكيلة وأنشطة إيران الإقليمية أهميتها الاستراتيجية. أما بالنسبة لطهران، فيُنظر إلى أي توسيع للأجندة على أنه محاولة لفرض نموذج حوار استسلامي وحرمان النظام من أدوات الردع الرئيسية.
ارتكز الموقف الأمريكي في الأيام الأخيرة على مزيج من التهديدات والانفتاح الواضح على الحوار. فقد حذّر دونالد ترامب علنًا القيادة الإيرانية من «عواقب وخيمة»، وأكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن البيت الأبيض لا يساوره أي شك في قدرة النظام الإيراني على التفاوض. وفي الوقت نفسه، تُقدّم المفاوضات في واشنطن لا على أنها تنازل، بل كأداة مؤقتة وقابلة للتراجع.
في غضون ذلك، تتداول وسائل إعلام دولية بارزة تسريبات تفيد بإمكانية إصدار تفويض لشنّ ضربة عسكرية في أي وقت، لا سيما خلال عطلة نهاية الأسبوع. هذه الإشارات موجهة إلى عدة جهات في آن واحد: إيران كتحذير، والحلفاء الإقليميين كتأكيد على جدية النوايا، والناخبون الأمريكيون كدليل على العزم. والجدير بالذكر أن عددًا من المنشورات لم تعد تركز فقط على المنشآت النووية، بل أيضًا على منطق أوسع يتمثل في الضغط على بنية السلطة الإيرانية نفسها.
ويرتكز رد طهران على تضييق جدول المفاوضات وضبط النفس بشكل واضح. وتؤكد إيران استعدادها للحوار، لكن حصراً على البرنامج النووي، مستبعدةً مناقشة الصواريخ والسياسة الإقليمية. في الوقت نفسه، تُقلل السلطات الإيرانية بشكل ملحوظ من استعراض قدراتها العسكرية، مؤجلةً أو ملغيةً التقارير الإعلامية المثيرة للجدل حول أسلحة جديدة ومنشآت تحت الأرض.
ولا يُشير هذا النهج إلى ضعف بقدر ما يُشير إلى محاولة لكسب الوقت وتأمين قناة دبلوماسية، لمنع الولايات المتحدة من اتهام إيران رسمياً بتخريب المفاوضات. وتُوضح طهران أن أي توسيع للمطالب سيُفسر على أنه تقويض للحوار، وأن مسؤولية التصعيد في مثل هذه الحالة تقع على عاتق واشنطن.
ولعب حلفاء الولايات المتحدة العرب والإسلاميون، ولا سيما دول الخليج العربي، دورًا محوريًا في استئناف المفاوضات. وأصرّوا على عقد الاجتماع في مسقط، خشيةً من التداعيات المباشرة لحرب محتملة، كضرب البنية التحتية، وإغلاق مضيق هرمز، والارتفاع الحاد في أسعار النفط. ولا يُمثّل موقفهم دفاعًا عن إيران، بل محاولة براغماتية لتجنّب سيناريو يُهدّد الاستقرار الإقليمي.
أما بالنسبة لواشنطن، فقد أصبح هذا العامل ذريعةً للموافقة على المفاوضات «احترامًا» لشركائها، دون إظهار أيّ ثقة في نجاح الحوار. وهكذا، بات المسار الدبلوماسي عنصرًا من عناصر التوازن الإقليمي، لا بديلًا كاملًا عن استخدام القوة.
تشير مجموعة من المؤشرات إلى أن حتى ضربة أمريكية محدودة على إيران من المرجح أن تستفز ردًا يتجاوز الحسابات الأولية. تعتمد الاستراتيجية الإيرانية تقليديًا على العمليات غير المتكافئة، وتبقى إسرائيل محور هذا الرد. لهذا السبب، يُنقل أي سيناريو عسكري تلقائيًا إلى محيط الأمن الإسرائيلي، بغض النظر عن مشاركة إسرائيل الرسمية في العملية.
حتى التقييمات الأمريكية تُقر بشكل متزايد بأن سيناريو «الحرب القصيرة» يبدو غير واقعي. أي هجوم قد يُشعل سلسلة من الردود والهجمات المضادة، مما يُجرّ قوى إقليمية، وربما عالمية، إلى الصراع. في هذا السياق، يُصبح عدم اليقين بشأن مواقف روسيا والصين عاملًا إضافيًا من عوامل عدم الاستقرار الاستراتيجي.
إسرائيل: إغلاق «الخطوط الحمراء» والاستعداد للمرحلة الحاسمة. وفي وضعها الحالي، تتصرف إسرائيل بضبط النفس علنًا والحزم سرًا. ويتمحور خطاب تل ابيب حول عبارة «الاستعداد لأي سيناريو»، دون دعوات مباشرة للحرب أو ممارسة ضغوط استعراضية على الولايات المتحدة. تُمكّن هذه السياسة إسرائيل من تجنّب الظهور بمظهر المُبادر بالتصعيد، والحفاظ على حرية المناورة في حال حدوث تطورات مفاجئة.
في الوقت نفسه، تعمل القيادة الإسرائيلية، في جلسات مغلقة، على تحديد حدود ما هو مقبول. فخلال ثلاث ساعات ونصف من المحادثات بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف في الثالث من شباط لم يقتصر النقاش على إيران فحسب، بل شمل أيضاً بنية الأمن الإقليمي برمته. وقدّم الجانب الإسرائيلي آخر المعلومات الاستخباراتية حول إيران، وحدّد بوضوح «خطوطه الحمراء»، مؤكداً أن اتفاقاً نووياً محدوداً دون قيود على الصواريخ الباليستية والجماعات الوكيلة أمر غير مقبول.
وزعم نتنياهو تحديداً «أن الجمهورية الإسلامية أثبتت مراراً اً عدم مصداقية وعودها، وأن أي اتفاقيات دون آليات تحقق صارمة لن تؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة القادمة» حسب قوله. ويُشير تأجيل اجتماع مجلس الوزراء العسكري السياسي، وسط التصعيد حول إيران، إلى أن القدس ترى الوضع قريباً من نقطة حلّ.
في غضون ذلك، يستعد نتنياهو لزيارة جديدة إلى الولايات المتحدة في منتصف فبراير، حيث ستكون إيران بلا شك محورًا رئيسيًا، إلى جانب غزة ونزع سلاح حماس. ومن الناحية الرمزية، من المقرر أن يلقي كل من رئيس الوزراء وزعيم المعارضة يائير لابيد كلمة في مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، مؤكدين بذلك على الطبيعة غير الحزبية للتحالف الإسرائيلي الأمريكي في هذه اللحظة الحاسمة.
وبذلك، تختتم إسرائيل المرحلة الحالية لا بتصريحات رنانة، بل برسم «خطوط حمراء» وتنسيق مواقفها مع واشنطن. وتعتقد القدس أن فترة عدم اليقين تقترب من نهايتها، وأن الوقت قد حان لوضع الأسس إما لاتفاق صعب مع إيران أو لصراع تستعد له إسرائيل مسبقًا، مفضلةً الوضوح على هدنة مطولة وخطيرة.
* اعتمدت المقال على تقارير وسائل اعلام روسية










