TOP

جريدة المدى > خاص بالمدى > المصارف الأهلية في العراق.. وفرة سيولة وعجز عن تمويل التنمية

المصارف الأهلية في العراق.. وفرة سيولة وعجز عن تمويل التنمية

هشاشة البيئة القانونية تُبقي الائتمان بعيداً عن المشاريع الإنتاجية

نشر في: 10 فبراير, 2026: 12:06 ص

 بغداد / تبارك عبدالمجيد

رغم تضاعف عدد المصارف الأهلية في العراق خلال السنوات الماضية، ما يزال دورها في تمويل الاستثمار والتنمية الاقتصادية محدوداً، في ظل تحديات هيكلية وتنظيمية عميقة، تتعلق بطبيعة نشاطها، وضعف الثقة بها، وهيمنة المصارف الحكومية، إضافة إلى بيئة قانونية غير مشجعة على الائتمان طويل الأجل. فالقطاع المصرفي الأهلي، الذي يضم نحو 60 مصرفاً، يواجه جملة من التحديات الهيكلية التي تحد من قدرته على تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى والمشاريع الإنتاجية طويلة الأجل.
يوضح الخبير الاقتصادي ضياء المحسن أن المصارف الأهلية تعتمد في الغالب على نافذة بيع العملة أو العمليات المرتبطة بالتحويلات الخارجية بوصفها مصدراً رئيسياً للربح. ويشير إلى أن هذا النوع من الربح السهل والمضمون يقلل من حافز المصارف على الدخول في مخاطر الائتمان طويل الأمد، إذ تُستثمر السيولة العالية في متاجرة العملة بدلاً من الإقراض الاستثماري.
ويضيف المحسن، في حديث لـ«المدى»، أن المصارف الأهلية تعاني من مشكلة عدم مواءمة الآجال، لأن معظم ودائعها ودائع جارية تحت الطلب وليست ودائع ادخارية طويلة الأجل. ونتيجة لذلك، تخشى هذه المصارف منح ائتمان متوسط أو طويل الأجل من أموال قد يطالب بها المودعون في أي وقت، ما يحد من مساهمتها في تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى.
ولا تقتصر الإشكالية، بحسب المحسن، على رغبة المصارف فقط، بل تمتد إلى جودة المقترضين. فإجراءات استرداد القروض المتعثرة وتسييل الرهونات العقارية بطيئة ومعقدة، في وقت تفتقر فيه أغلب المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى سجلات مالية دقيقة، ما يجعل تقييم الجدارة الائتمانية عملية عالية المخاطر. ومع ضعف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد العراقي في القطاعين الصناعي والزراعي، يتركز الطلب على الائتمان في القطاع التجاري الاستهلاكي، وهو ائتمان قصير الأجل لا يخلق قيمة مضافة مستدامة للناتج المحلي الإجمالي.
ويشير المحسن إلى أن المصارف الحكومية الكبرى تستحوذ على الجزء الأكبر من الودائع، ولا سيما رواتب موظفي الدولة، ما يترك المصارف الأهلية بحصة سوقية محدودة من السيولة القادرة على خلق ائتمان واسع. ويؤكد أن العلاقة بين هيمنة المصارف الحكومية وضعف المصارف الأهلية ليست علاقة سبب ونتيجة خطية، بل دائرة مفرغة تتغذى فيها العوامل على بعضها، إذ تخلق الهيمنة الحكومية بيئة منافسة غير عادلة عبر الاحتكار القانوني للودائع العامة والضمان السيادي والامتيازات التشغيلية، وفي الوقت نفسه تُعد نتيجة لإخفاقات تاريخية وهيكلية في القطاع المصرفي الخاص، تشمل التعثر المستمر، وضعف الشفافية والخدمات، ومحدودية الانتشار.
ويبين المحسن أن المصرف، بوصفه مؤسسة ربحية، يسعى إلى تعظيم أرباحه بأقل قدر ممكن من المخاطر، فإذا كانت القواعد التنظيمية تجعل من الخمول الائتماني خياراً مربحاً، فسوف يتجه إليه. وفي هذا السياق، يرى أن أدوات البنك المركزي النقدية، مثل شهادات الإيداع ونافذة العملة والتشديد الرقابي والمعايير الاحترازية، تهدف إلى كبح التضخم واستقرار العملة، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى خنق الائتمان الإنتاجي.
وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد، يتحول المصرف من مؤسسة لخلق الائتمان إلى مجرد صندوق ودائع أو منفذ تصريف. فالمضاعف النقدي يعتمد كلياً على بقاء الأموال داخل الدورة المصرفية، في حين تُعد الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي «فرصاً ضائعة» لتمويل التنمية. وبسبب ضعف الشمول المالي، تواجه المصارف الأهلية صعوبة في استقطاب ودائع التوفير والودائع طويلة الأجل، ما يضطرها إلى الاعتماد على ودائع كبار المودعين أو الاقتراض من مؤسسات أخرى بأسعار فائدة مرتفعة، الأمر الذي يرفع كلفة الإقراض ويُبعد المقترضين الإنتاجيين، ويجذب المضاربين أو المقترضين ذوي المخاطر العالية.
كما يشير المحسن إلى أن المصارف تتجنب المخاطر أيضاً بسبب صعوبة التحقق من مصادر الأموال في بيئة يغلب عليها التعامل النقدي، خشية الوقوع في شبهات غسل الأموال أو التعرض لعقوبات دولية ورقابية. وتؤدي هذه السياسة إلى تقييد العمليات الائتمانية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتجارة الخارجية أو المشاريع التي تفتقر إلى دورة مستندية واضحة وموثقة مصرفياً، ما يجعل النقد «العدو الأول» للتوسع الائتماني.
ويؤكد أن نافذة بيع العملة أدت دوراً مزدوجاً، فهي أداة للسيطرة على التضخم واستقرار سعر الصرف، لكنها في الوقت نفسه أحدثت تشوهاً هيكلياً في وظيفة المصارف الأهلية، وأبعدتها عن دورها الائتماني والتنموي، نتيجة الاستسهال الربحي وضمور العقل الائتماني داخل المصارف، وعدم الحاجة إلى جذب الودائع التنموية. وأدى هذا التوجه نحو الصيرفة التجارية بدلاً من التمويل الاستثماري إلى تحويل معظم المصارف الأهلية إلى ما يشبه شركات صيرفة كبرى.
ويضيف المحسن أن تآكل الثقة بالدور التنموي للمصارف الأهلية حدّ من إقبال أصحاب المشاريع الحقيقية على طلب التمويل منها، مفضلين اللجوء إلى المصارف الحكومية رغم بيروقراطيتها، أو الاعتماد على التمويل الذاتي، ما أبقى القطاع الخاص بعيداً عن الروافع المالية المصرفية.
وفي ضوء تقارير حديثة، يبرز توجه لإعادة هيكلة الدور المصرفي، الحكومي والأهلي على حد سواء، بهدف تفعيل أدوات الشمول الائتماني، وربط الاستثمارات بمشاريع إنتاجية ذات أثر حقيقي على الميزان التجاري، إلى جانب التحول نحو معايير حوكمة وشفافية دولية، بما يدفع المصارف إلى الخروج من الاعتماد على نافذة العملة نحو الائتمان الحقيقي.
ويشدد المحسن على أن البيئة القانونية وهيكل الحوكمة يشكلان العمود الفقري لأي نشاط ائتماني مستدام. ففي حالة المصارف الأهلية، لا يقتصر التحدي على توفر السيولة، بل يشمل القدرة على إدارة المخاطر القانونية وضمان استرداد الأموال، وهي مجالات تعاني فجوات عميقة بسبب هشاشة نظام الضمانات، وبطء القضاء التجاري، وصعوبة تسييل العقارات، وغياب قانون حديث للإعسار والإفلاس.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي عبدالله نجم أن معظم المصارف الأهلية لا تؤدي دوراً حقيقياً في دعم الاقتصاد الوطني، إذ تكتفي بعمليات قصيرة الأجل وبعوائد سريعة، بعيداً عن الاستثمار في قطاعات الإنتاج والإعمار. ويشير نجم، في حديث لـ«المدى»، إلى أن اعتماد هذه المصارف على الأموال الحكومية ورواتب الموظفين يجعل بيئة عملها محدودة، موضحاً أن كثيراً من المصارف الأهلية منحت ائتمانات تفوق ما قدمته المصارف الحكومية خلال عام 2025، لكنها بقيت عاجزة عن تحويل هذا النشاط إلى أثر اقتصادي ملموس.
ويضيف أن بعض المصارف تأسست أساساً للمشاركة في نافذة بيع العملة، ما أضعف ثقة الزبائن بدورها المصرفي، فيما ركزت أغلبها على الربح السريع بدلاً من دعم الاقتصاد الوطني. ويذهب نجم إلى أن ارتباط بعض المصارف الأهلية بأحزاب وتوجهات سياسية ودينية يجعل قراراتها أحياناً خاضعة للمصالح السياسية أكثر من الاعتبارات الاقتصادية، الأمر الذي يضعف الحوكمة ويقوض ثقة العملاء ويحد من قدرة المصارف على أداء دورها بوصفها ركيزة أساسية للنشاط الاقتصادي.
ويختم نجم بالتأكيد على أن القطاع المصرفي يحتاج إلى إصلاحات جذرية في البيئة القانونية والحوكمة المالية، وبناء ثقة العملاء، وإبعاد القرارات المصرفية عن المصالح السياسية، ليتمكن من الانخراط في استثمارات طويلة الأجل والمساهمة الفعلية في النمو الاقتصادي، وإلا سيبقى مجرد أداة مالية قصيرة المدى.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

العراق على حافة الفوضى: من يوقف طموح المالكي؟

العراق على حافة الفوضى: من يوقف طموح المالكي؟

بغداد/ تميم الحسن جدد ائتلاف «دولة القانون»، الذي يتزعمه نوري المالكي، تمسكه بترشيح الأخير لرئاسة الحكومة، في وقت أعلن فيه مجلس النواب عقد جلسة جديدة لا تتضمن انتخاب رئيس الجمهورية. وخلال وقت إعداد التقرير،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram