د. طلال ناظم الزهيري
تشهد الكليات الإنسانية في الجامعات العراقية الحكومية تراجعاً ملحوظاً في أعداد الطلبة المقبولين فيها خلال السنوات الأخيرة، حتى بات متوسط القبول في بعض الأقسام لا يتجاوز ثلاثين طالباً في المرحلة الأولى، مع مؤشرات قوية على احتمال استمرار الانخفاض في الأعوام المقبلة. ولم تعد هذه المسألة مجرد تفاوت عددي عابر، بل تحولت إلى تحدٍ مؤسسي يهدد استمرارية بعض الأقسام، ويضع إدارات الجامعات أمام إشكالية حقيقية تتعلق بقدرة الهيئة التدريسية على إكمال نصابها القانوني، في ظل وجود أعداد من الأساتذة تفوق أحياناً أعداد الطلبة أنفسهم.السبب الرئيس لهذه الظاهرة يكمن في محدودية فرص العمل المتاحة لخريجي التخصصات الإنسانية في القطاعين الحكومي والخاص. فالتوظيف الحكومي لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد المتخرجة، بينما لا يظهر القطاع الخاص طلباً فعلياً على تخصصات مثل الفلسفة، علم الاجتماع، التاريخ، اللغة العربية، أو حتى بعض فروع الآداب الأخرى.
وفي المقابل، توسع التعليم الأهلي بصورة لافتة، وأصبح يستقطب شريحة واسعة من الطلبة، حتى من ذوي المعدلات المنخفضة، ما داموا قادرين على تسديد الأقساط الدراسية. وهكذا تتحول القدرة المالية إلى عامل حاسم في تحديد المسار التعليمي، فتكون وجهة الطالب الذي يمتلك الإمكانات المادية هي الكليات الأهلية، بغض النظر عن طبيعة التخصص أو موقعه في منظومة التعليم الوطني. بالتالي لا يمكن معالجة المشكلة عبر حلول انفعالية أو غير واقعية؛ فلا الدولة قادرة على فتح باب التوظيف الحكومي على نطاق واسع، ولا من العدالة فرض قيود صارمة على القبول في التعليم الأهلي أو رفع سقف الأقساط لإجبار الطلبة على العودة إلى الجامعات الحكومية.
لذلك يصبح التفكير في حلول داخلية مرنة أمراً ضرورياً للحفاظ على استمرارية الأقسام وتجنب الوصول إلى مرحلة الإغلاق.من بين الحلول الممكنة اعتماد نظام دمج التخصصات المتقاربة في المرحلتين الأولى والثانية، ثم التفرع في المرحلة الثالثة. فبدلاً من بقاء كل قسم بمعزل عن الآخر رغم التقاطع المعرفي الواضح، يمكن دمج الفلسفة مع علم النفس ضمن إطار معرفي موحد في السنوات الأولى، أو جمع التاريخ وعلم الاجتماع في مسار دراسات اجتماعية موسع، وكذلك توحيد بعض المسارات مثلا الاعلام وعلم المعلومات واللغات والترجمةفي مرحلة الأساسيات.
هذا النموذج يحقق استثماراً أفضل للكوادر التدريسية، ويمنح الطالب فرصة أوسع لاختيار تخصصه بعد تجربة معرفية أعمق، كما يقلل من مخاطر إغلاق الأقسام الصغيرة، ويعزز التوجه البيني الذي أصبح سمة بارزة في التعليم العالي عالمياً.إلى جانب ذلك، يمكن إعادة النظر في سياسات القبول بصورة مدروسة، من خلال توسيع القاعدة النوعية للطلبة دون الإخلال بالرصانة الأكاديمية. فتح باب القبول لبعض الأقسام أمام خريجي الإعداديات المهنية الصناعية والتجارية، في التخصصات التي تتقاطع مع مهاراتهم، يمثل أحد الخيارات الممكنة. كذلك يمكن السماح بقبول نسبة اكبر من خريجي المعاهد ذات الامتداد التخصصي في المرحلة الثانية مباشرة، بعد تنسيق علمي يضمن التكامل وتجنب التكرار. هذا الإجراء يحقق انسيابية في المسار التعليمي ويقلل من الهدر، ويمنح الأقسام فرصة لتعزيز أعدادها بطلبة يمتلكون خلفية معرفية قريبة من تخصصها.كما أن تفعيل الدراسات العليا والدراسات المسائية ضمن النصاب الرسمي للتدريسي يمكن أن يسهم في معالجة جانب من المشكلة. فضلا عن إمكانية استحداث برامج دبلوم عالٍ ذات طابع مهني في مجالات تطبيقية مثل الإرشاد الاجتماعي، إدارة المحتوى الرقمي، الدراسات الثقافية التطبيقية، أو إدارة المعرفة، قد يفتح آفاقاً جديدة لاستقطاب الراغبين في تطوير مهاراتهم، ويخلق طلباً تعليمياً يتجاوز الإطار التقليدي لطلبة الإعدادية. وبهذا تنتقل الكلية من الاكتفاء بدور التعليم الأولي إلى فضاء أوسع من التعليم المستمر.غير أن المعالجات الجزئية، على أهميتها، لن تكون كافية ما لم تُدرج ضمن إطار وطني أشمل. المطلوب استراتيجية واضحة لتنظيم سياسات القبول، وتحقيق قدر من التوازن بين التعليم الحكومي والأهلي، وربط أعداد المقبولين بحاجات سوق العمل الفعلية، دون التضحية برسالة العلوم الإنسانية ودورها في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الهوية الثقافية. فالجامعة ليست مؤسسة لإنتاج شهادات فحسب، بل فضاء لصناعة الفكر وترسيخ القيم النقدية التي لا تستقيم التنمية من دونها.إن تراجع أعداد الطلبة في الكليات الإنسانية يمثل جرس إنذار ينبغي التعامل معه بعقلانية وجرأة في آن واحد. فالإصلاح يبدأ من الداخل عبر مرونة تنظيمية واستثمار أمثل للموارد، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى رؤية وطنية تعيد الاعتبار لدور العلوم الإنسانية في مشروع الدولة والمجتمع. وإذا لم يُتخذ اليوم قرار شجاع يعيد ترتيب الأولويات، فقد نجد أنفسنا غداً أمام جامعات تحافظ على مبانيها، لكنها تفقد تدريجياً أحد أهم أدوارها الحضارية.










