محمد حسن الساعدي
يمر الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية، تتشابك فيها خيوط السياسة والدبلوماسية ببارود المدافع، حيث لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في جبهة دون غيرها، فصارت المنطقة وكأنها تعيش حالة من "السيولة العسكرية" التي تجعل من التنبؤ بمستقبل الاستقرار أمراً بالغ الصعوبة..
مع مطلع عام 2026 بدأت الصراعات التقليدية، تتخذ أبعاداً تكنولوجية واستراتيجية جديدة، فتداخلت العمليات العسكرية الميدانية مع حروب المسيرات والذكاء الاصطناعي، مما جعل مفهوم الأمن القومي للدول، أمام إختبارات غير مسبوقة، تفرض عليها إعادة تموضع شاملة، من حيث تحالفاتها الإقليمية والدولية، كما جعل المنطقة تواجه اختباراً هو الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث، من حيث تداخل الصراعات الحدودية التقليدية، مع حروب الوكالة والتقنيات العسكرية المتطورة، وهذا خلق مشهداً أمنياً شديد التعقيد والاضطراب.
التحولات التي شهدتها المنطقة اليوم، تجاوزت فكرة النزاعات "الموضعية" لتلامس حالة إعادة تشكيل هيكلي لموازين القوى، حيث تتقاطع طموحات القوى الإقليمية، مع استراتيجيات القوى الدولية الكبرى، التي تبحث عن موطئ قدم دائم في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.. وهذا المشهد يفرض على صانع القرار، ضرورة قراءة التحركات العسكرية والسياسية ككتلة واحدة لا تتجزأ، فما يحدث في البحر الأحمر من تهديد للملاحة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجمود المسارات الدبلوماسية في غزة ولبنان، مما يجعل استقرار الممرات المائية رهينة لتسويات برية لم تنضج بعد.
من جانب أخر يبرز الصراع الإيراني الأمريكي، كعامل حسم في تحديد وجهة المنطقة المستقبلية، حين تتأرجح العلاقة بين الطرفين ما بين التصعيد العسكري المدروس والمفاوضات المتعثرة، وهو ما يضع الدول العربية في قلب عاصفة من الضغوط، التي تتطلب حنكة ومناورات سياسية عالية للموازنة بين مقتضيات الأمن القومي، وبين تجنب الانخراط في محاور قد تؤدي إلى صدام شامل، فالوجود العسكري الأجنبي المكثف وتزايد سباق التسلح التكنولوجي، يعكسان حالة من عدم اليقين، فكل طرف يسعى لفرض قواعد اشتباك جديدة، تلائمه وتضمن له الردع وتمنع خصومه من تحقيق مكاسب استراتيجية على حسابه، مما يحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة من "إدارة الأزمات" بدلاً من "حل النزاعات».
على الصعيد البنيوي لازالت الحالة الوطنية في الشرق الأوسط، تواجه تحديات أمنية ناتجة عن هشاشة بعض الأنظمة، وتنامي دور الفاعلين الخارجيين عليها، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى منظومة أمن إقليمي جماعي، إذ إن الاستقرار المستدام، لن يتحقق عبر الصفقات الأمنية المؤقتة أو بناء الجدران العازلة، بل يتطلب رؤية سياسية شاملة، تدمج بين التنمية الاقتصادية، وبين حل وتسوية القضايا المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي ستظل المحرك الأول لمشاعر الغضب الشعبي والتوتر الأمني.. ووسط هذا الترقب الحذر، سيظل الشرق الأوسط مرشحاً لمزيد من المفاجآت، ما لم تنجح القوى الفاعلة في تغليب لغة الحوار الجاد على لغة القوة، والبحث عن قواسم مشتركة، تضمن الحد الأدنى من التعايش السلمي، بعيداً عن سياسات حافة الهاوية التي تهدد الجميع بلا استثناء.
ما يشهده الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد أزمات عابرة، وإنما هو مخاض عسير لترتيبات أمنية جديدة قد تستمر لسنوات، ولن ينجح أي مسعى للاستقرار، ما لم يعتمد على رؤية شاملة تعالج جذور الصراعات، بدلاً من الاكتفاء بإدارة أزماتها، لان الرهان القادم يقع على قدرة الفاعلين الإقليميين على، تغليب لغة المصالح المشتركة والتعاون الأمني الجماعي، وإستبعاد لغة المحاور والتصعيد، لضمان عدم بقاء المنطقة رهينة لفوهات المدافع وحسابات القوى الكبرى, التي غالباً ما تتجاهل تطلعات الشعوب في العيش بسلام واستقرار.










