د. أحمد عبد الرزاق شكارة
فتح لقاء عمان غير المباشر بين وفدي الولايات المتحدة الامريكية وايران مرحلة جديدة من التفاوض المتوقع أن يكون جديا ومسؤولا حول 3 ملفات طرحت من قبل الوفد الامريكي والايراني هي: اولا الملف النووي الايراني، ثانيا ملف القدرات الصاروخية الدقيقة المتطورة الايرانية وثالثا جماعات الاسناد من القوى المتحالفة مع ايران ابرزها حماس، حزب الله والحوثيين في اليمن والقوى العراقية (مليشيات وفقا للمفهوم الامريكي - الغربي أو قوى المقاومة وفقا للمفهوم الدارج عراقيا).
لعل مسار الانطلاق الجديد لم يكن ليتحقق لولا حالة من التوتر العالي مصحوبة بأمكانية حقيقية لحرب مدمرة شاملة في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي بل وربما لابعد من ذلك جغرافيا أضحت أمرا قارب اعلى درجات الحتمية التي تجاوزت كافة الخطوط الحمراء. إن إتخاذ الرئيس الامريكي ترامب موقفا غاية في التشدد وصل لحدود الرغبة في أنهاء النظام الايراني كليا تتصل بإجراءات عسكرية خطيرة تجسدت في استقطاب اسطول الارمادا الامريكي بقيادة اضخم حاملة طائرات نووية – ابراهام لنكولن مثلت حالة ردع أستراتيجي قوية جدا بل وفي التقدير الامريكي كانت ستكون كافية لإثناء ايران عن مسارها النووي والصاروخي بل وحتى في قطع ما تعتبره الادارة الامريكية كافة أذرع ايران في المنطقة. علما بأن الملف الاخير قد تم تحييده لحد بعيد نسبيا اللهم إلا في ما يتعلق بدورحزب الله المتوقع مستقبلا أوبالدور الحوثي في التصدي الصارم للعدوان الاسرائيلي المستمر على شعبنا العزيز في غزة والضفة الغربية المحتلة. اما بالنسبة للملفين النووي والصاروخي فقد ابدى وزير الخارجية الايراني السيد عباس عراقجي عن أمكانية إعادة النظر في الملف الاول أي الملف النووي بصورة تحدد فيها مستويات منخفضة من درجة التخصيب التي وصلت لحدود 3.67 بالمائة في الاتفاق السابق بين ايران والقوى دائمة العضوية في مجلس الامن مع المانيا وممثلة الامم المتحدة في عام 2015.
الاكيد لن تقبل الادارة الامريكية مثل هذه النسبة المنخفضة حيث انها اصلا قد انهت الاتفاق السابق معتبرة اياه غير فاعل او منتج لوضع جديد ينهي التوجه الايراني نحو التسلح النووي. برغم ذلك وفي تقديري الشخصي توجد خيارات أخرى مثلا إعادة تدوير مخلفات البلوتونيوم وغيرها من مواد مشعة واستخدامها بدلا من التركيز على تخصيب اليورانيوم أو حتى القبول الايراني بحالة تجميد للمشروع النووي لفترة محددة معها وبنفس السياق يفترض أن يحل أتفاق دولي جديد يمنع كل دول المنطقة من بناء أي مشروع نووي لإغراض عسكرية أي ليس سلميا كي تركز الجهود على ما تحتاجه دول المنطقة من طاقة سلمية خضراء او مدنية طبية عالية التقنية. ولاشك أن اسرائيل التي تمتلك مابين 90 إلى 300/400 رأس نووي (إذ لاتوجد قائمة دقيقة معلنة من قبل اسرائيل) ستعترض على قبول أي تحديد لقدراتها النووية غير المعلنة اصلا او رسما (من قبلها) لكنها تمتلكها فعليا.
لاشك أن التعنت الاسرائيلي في تقبل الاسهام - شأنها كبقية دول العالم ومنها ايران - بعضوية اتفاقية منع انتشار اسلحة الدمار الشامل تعني أنها دولة لاترغب إطلاقا بالسلم والامن الدوليين. ضمن هذا السياق اعلنت ايران صراحة أن مبدأ العدالة في معالجة الملفين النووي والصاروخي يجب أن ينطلق من واقع وضرورة أنهاء حالة عدم العدل الدولي في مواجهة الدول لمسؤولياتها والالتزاماتها القانونية العادلة وصولا لمعادلة حقيقية للامن والسلم الدوليين. لذا ليس مستغربا أن تعرض ايران وبقوة قضيتها أمام المجتمع الدولي بإن برنامجها الصاروخي المتطور لابد أن يستمر طالما بقيت حالة العداء والعدوان الاسرائيلي قائمة دون أي تبدل او تغيير أيجابي. إن حالة الدفاع الذاتي أمرا مشروعا لها ولغيرها، إذ دون وجود ضمان كاف يردع اسرائيل عن نهجها الاعتدائي أو العدواني المستمر على البلاد العربية (سوريا، لبنان واليمن والصومال وغيرها) ستكون العديد من الدول في منطقتنا معرضة للعدوان الصهيوني. إن استمرار إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بممارسة أزدواجية المعايير في الملفين النووي والصاروخي تعني إضفاء شرعية للهيمنة الصهيونية على الارض العربية وبل وإلى ما هو أبعد جيوسياسيا في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية (الجنوبية). من هنا، كلما سنحت الفرص للدول العربية والاسلامية في تنمية مصالحها المتبادلة مع عدد آخر من دول العالم خاصة الصين ستتغير اللعبة الدولية بأتجاه جيوسياسي أيجابي.
إنطلاقا من كل ما ورد لابد للدول في المحيطين العربي والاسلامي بل والدولي أن تعمد لتشكيل تحالف او تحالفات جيوسياسية واسعة وقوية يمكن معها لهذه الدول جميعا ان تنجح في مواجهة أي عدوان او اعتداء صارخ على سيادتها وعلى أمنها الوطني. لعلي في مناسبات عدة أوضحت بشكل جلي من أنه على الدول العربية جميعا مسؤولية مواجهة العدوان والمشروع الصهيوني في مايعرف بالشرق الاوسط الجديد الذي من خلاله تجرأت اسرائيل بعنصرية واضحة وبمساندة امريكية وغربية واضحة على تعزيز قوتها التقليدية وغير التقليدية في مواجهة نظام عربي آخذ بالانحلال او الضعف بدرجة تسمح لنتنياهو ليكون اللاعب الرئيسي مشاركا رئيس أكبر قوة عالمية في العالم الرئيس ترامب بإستثمار سياسة القوة القائم على مفهوم الهيمنة وفقا للمفهوم الاغريقي للقوة أو الروماني القائم ايضا على القوة بصورة اوضح ما يعرف بالسلام الروماني PAX ROMANCO. علما بإن للقوة وللدبلوماسية مفاهيم مختلفة بضمنها التنافس المشروع في إطار الدبلوماسية الذكية والناعمة (التقنية والاقتصادية) التي تعتمدها الدول للحفاظ على مصالحها وبقائها في إطار نظام دولي متسارع في التغيير وقائم على العدل. مسألة تقتضي من المجتمع الدولي منح الفرص المتكافئة للدول دون تمييز أو تمايز. فهل سنتقل من مرحلة الغموض لمرحلة معالجة المصالح المشتركة المتبادلة وفقا لمبدأ العدل والمساواة الدولية؟ لازالت لدي شكوك كبيرة تجاه وصول ايران لاتفاق عادل مع الولايات المتحدة واسرائيل طالما نبقى دولا متفرقة في مرحلة مجابهة ردود الافعال وليس أطلاق المبادرات. علما بإن ادوار بعض الدول العربية والاسلامية بل وحتى الاوروبية بدأت بالتغيير الايجابي التراكمي والتدرجي منطلقة من حراك دولي إيجابي في" النظرة - الرؤية " والسلوك لمجابهة مشلريع الهيمنة العسكرية القائمة على القوة البحتة. إن وصول ايران والولايات المتحدة الامريكية لموقف جدي وجديد بأتجاه الحفاظ على السلم والامن الدولي في منطقتنا الحيوية مسالة جديرة بالاهتمام والمتابعة المتضامنة مع منظومة القيم الاخلاقية والقانونية وإلا سنكون مثالا واضحا لمفهوم" أكلنا يوم أكل الثور الابيض؟؟ ". إن توجه القوة الصهيونية ليس في مصلحة الاقليم ولا العالم المتحضر الذي يسعى بحذر وترقب لإحلال سلم شامل وعادل بعيدا عن حالة الغموض أوالغدر المتوقع من قبل الكيان الصهيوني في منطقة حساسة تغطي مصالح جيوسياسية - اقتصادية (نفطية - معدنية وغازية حيوية).










