بغداد / المدى
حذّرت شبكة النساء العراقيات، في بيان كلمة قدمتها أمام لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» في جنيف، من تصاعد تحديات تشريعية ومجتمعية تهدد حقوق المرأة في العراق، وتنعكس سلباً على الاستقرار الأسري والسلم المجتمعي، مشيرة إلى تضييق ممنهج يستهدف منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وشارك وفد نسوي من الشبكة خلال أعمال الدورة الثانية والتسعين المنعقدة في جنيف في الثاني من شباط 2026، المخصصة لمناقشة التزامات العراق بالاتفاقية الدولية، وكذلك مناقشة تقرير الظل الخاص بوضع النساء في العراق.
وتعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» إحدى أهم الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق النساء، إذ اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، ودخلت حيز التنفيذ عام 1981. وتهدف الاتفاقية إلى إزالة جميع أشكال التمييز القائم على الجنس، وضمان المساواة القانونية والعملية بين النساء والرجال في مجالات التعليم والعمل والصحة والمشاركة السياسية والحياة الأسرية. وصادق العراق على الاتفاقية عام 1986، ما يرتب عليه التزاماً قانونياً بمراجعة تشريعاته وسياساته بما ينسجم مع مبادئها، وتقديم تقارير دورية إلى لجنة «سيداو» حول مدى التقدم في تنفيذها.
تشريعات تناقض الاتفاقات الدولية
وذكرت شبكة النساء العراقيات، التي تضم أكثر من 90 منظمة مجتمع مدني عراقية، في بيانها الذي ألقته الناشطة رؤى خلف، أن قانون رقم (1) لسنة 2025 والمدونة الجعفرية الملحقة به برزا بوصفهما من أكثر التشريعات إثارة للجدل المجتمعي، لما يتضمنانه من أحكام فقهية تعود إلى مراحل ما قبل نشوء الدولة الحديثة، وتتعارض مع مبادئ الدستور العراقي ونصوصه، ومع النظام القانوني النافذ، فضلاً عن تعارضها مع التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان. وبيّنت أن هذه التشريعات تمثل انتقاصاً من الدور التشريعي للبرلمان، وتؤدي إلى إضعاف استقلالية القضاء.
وبحسب البيان، فإن القانون الجديد أباح زواج الصغيرات، وألغى العقوبة على الزواج خارج المحكمة، وأسقط حق السكنى للمطلقات، وقلّص سنوات حضانة الأم، كما حرم الزوجة من ميراث الأرض والعقار، وسمح بسريان المدونة الجعفرية على عقود الزواج بأثر رجعي ومن دون موافقة الزوجة، مانحاً الزوج سلطة مطلقة في الطلاق، ومكرساً تعدد الزوجات. واعتبرت الشبكة أن هذه التعديلات لا تمس حقوق النساء فحسب، بل تنعكس سلباً على بنية الأسرة العراقية وتماسك المجتمع.
تشويه دور المجتمع المدني
وفي محور آخر، أعربت شبكة النساء العراقيات عن قلقها العميق إزاء تصاعد حملات تشويه السمعة والتخوين التي تستهدف منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق المرأة، إضافة إلى المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان. وأشارت إلى أن هذه الحملات ترافقها تهديدات بالقتل والاختطاف، واعتقالات تعسفية، فضلاً عن منع النشاط المدني والحقوقي داخل الجامعات والمؤسسات التربوية والإعلامية.
ولفت البيان إلى وجود حملة ممنهجة في الخطاب والتعامل الرسمي مع مفاهيم المساواة والتمكين والجندر، حيث جرى حظر استخدام مصطلح «الجندر» في السياق الرسمي، وفرض تعهدات قسرية على منظمات المجتمع المدني بعدم التعامل مع المفاهيم الدولية ذات الصلة، بذريعة تعارضها مع القيم الدينية والأخلاقية، وهو ما عدّته الشبكة تراجعاً خطيراً عن التزامات العراق الدولية. إلى ذلك، تقول المديرة التنفيذية لشبكة النساء العراقيات، أمل كباشي، إن "تقارير الظل تمثل آلية مهمة في إطار الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ولا تشكل تهديداً لهيبة الدولة أو استقرارها السياسي، بل تُعد أداة حقوقية مكملة للتقارير الحكومية، تسهم في تحسين جودة السياسات العامة وتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية".
وتضيف كباشي، في حديث لـ "المدى"، أن "هذه التقارير الرصدية تقدم تقييماً واقعياً للتقدم المحرز في ملف حقوق المرأة، وتكشف الثغرات ونقاط الضعف التي تتطلب معالجة جدية، بما يعزز العمل التشاركي بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني".
من جهتها، أكدت الناشطة في شبكة النساء العراقيات، رؤى خلف، أن تقارير الظل تشكل جزءاً من الآليات التعاقدية التي يلتزم العراق بتقديمها للطرفين وفق الاتفاقيات الدولية، موضحة أن الهدف منها ليس عرض وجهة نظر حكومية فقط، بل يجب أن تتضمن رؤية ميدانية ومستقلة.
وقالت خلف في حديث لـ(المدى) إن هذه التقارير تهدف إلى تقويم العمل الحكومي وقياس مدى التزام العراق بالمواثيق الدولية وتعهداته أمام المنظمات الدولية، معتبرة أن العملية جزء من الإجراءات الرسمية والقانونية التي يلتزم بها العراق عند انضمامه للاتفاقيات الدولية. وأضافت أن المنظمات غير الحكومية تقدم هذه التقارير بشكل حيادي ومستندة إلى الواقع، ما يسمح بمقارنة ما تقدمه الدولة في تقاريرها الرسمية مع الواقع التشريعي والتنفيذي على الأرض.
وأوضحت أن دور هذه التقارير يكمن في تقييم الجدوى من السياسات والاستراتيجيات والتشريعات، خصوصاً فيما يتعلق باتفاقية سيداو، لقياس ما قامت به الحكومة من خطوات لردم الفجوات التمييزية بين الرجل والمرأة والمرأة والمرأة بشكل آخر. وأضافت أن التقارير تساعد في تسليط الضوء على الاختلاف بين الخطاب الرسمي الذي يقدمه الوفد الحكومي والواقع التشريعي الفعلي، مشيرة إلى أن الدولة غالباً تحاول تقديم نفسها كشريك دولي ملتزم بقيم حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، وهو ما يفرض عليها “مغازلة” اللجان والخبراء خلال استعراض التقارير الحكومية لتجنب الأسئلة والضغوطات الدولية.
وأشارت خلف إلى أن تقارير الظل تمنح المنظمات المستقلة القدرة على تقديم توصياتها وأسئلتها الموجهة للدولة الطرف في الاتفاقية، مؤكدة أن التزام العراق بهذه الاتفاقيات يعتمد في كثير من الأحيان على الإرادة السياسية، وقد تتعارض بعض هذه الالتزامات مع أحكام الدستور أحياناً، ما يجعل التطبيق محدوداً في بعض المجالات
تراجع ملف حقوق الانسان
وفي ما يتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، أكدت الشبكة تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات العنف الأسري، ولا سيما عنف الزوج ضد الزوجة، في ظل استمرار غياب قانون يجرّم العنف الأسري ويوفر الحماية القانونية للضحايا، ما يترك النساء من دون غطاء تشريعي رادع.
وانتقدت الشبكة كذلك منهاج «حقوق الإنسان والديمقراطية» الذي عممته وزارة التعليم العالي على طلبة الجامعات العراقية، معتبرة أن تضمينه انتقادات لاتفاقية «سيداو» وتصويرها أداة لتفكيك الأسرة، إلى جانب تقديم تعريفات وصفتها بغير المنطقية لمفهوم المساواة التامة بين الزوجين، يمثل تشويهاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
واختتمت شبكة النساء العراقيات بيانها أمام اللجنة بتقديم تقرير الظل وتوصياته، داعية إلى حث الحكومة العراقية على الالتزام الكامل بالدستور العراقي والمواثيق الدولية التي صادق عليها العراق، وفي مقدمتها اتفاقية «سيداو»، بوصفها إطاراً قانونياً دولياً يهدف إلى القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين.
تتعارض بعض القوانين والنصوص العراقية مع اتفاقية القضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة، ومنها المادة 41 من الدستور العراقي، إضافة إلى المواد (41/1، 377، 398، 409، 417 و128/أ) من قانون العقوبات، وقانون رقم 1 لسنة 2025 المتعلق بتعديل قانون الأحوال الشخصية والمدونة الملحقة به.
كما تشمل الإجراءات الصادرة عن وزارة الداخلية قيوداً على حرية المرأة، مثل منعها من إصدار أي مستمسك لأطفالها، ومنعها من السكن في الفنادق دون وجود محرم، ما يفرض قيوداً على استقلاليتها وحريتها الشخصية.










