TOP

جريدة المدى > سينما > فيلم «صراط » .. ماهو وجودنا على أية حال؟

فيلم «صراط » .. ماهو وجودنا على أية حال؟

نشر في: 12 فبراير, 2026: 12:03 ص

أحمد حكمت
عبر وسيطي الصوت والصورة، واللذين سيعمل كلاهما على افتتاحية أول مشاهد فيلم «صراط» (Sirat, 2025) للمخرج أوليفر لاشيه، ولكن مع تأمل صامت. تبدأ أولى اللقطات بمنظر سماعات صوتية ضخمة يتم تجميعها وتجهيزها وسط الصحراء. في هذه اللقطة يتركنا أوليفر لاشيه في الفضاء التجريدي، مع فسحة للتأمل والتأهب، ربما لما هو قادم. الأمر سيبدأ بطرح الاستفسارات الآنية حول فحوى المشهد وما سيعنيه لاشيه في لاحق لقطات فيلمه الممتد لـ115 دقيقة من العرض. لا يتردد لاشيه في مسعاه، ويأخذنا سريعا إلى مشهد لاحق لتأكيد المعنى الافتتاحي عبر مجموعة من المحتفلين من جنسيات مختلفة في حفل صاخب لما يعرف بموسيقى الجموع. هؤلاء الراقصون يكملون المشهد الافتتاحي في تابلوه راقص، في نشوة وتغييب للإدراك. ومع ذلك الصخب، ينسل بينهم رجل ومعه ولد يافع يحملان صورة، ويبدآن بسؤال الأفراد من الجموع عن فتاة، يتبين في لاحق اللقطات الافتتاحية أنها ابنة الرجل، وأنه يريد الاستدلال على وجودها، معتقدا أنها ضلت طريقها أثناء حضورها لإحدى حفلات الجموع الراقصة في صحراء المغرب، حيث تقع أحداث الفيلم .بعد كل هذه اللقطات التي تأخذنا إلى لب الموضوع والقصة الرئيسية، يعود لاشيه مجددا إلى لقطة ساكنة لصحراء قاحلة، من دون أي شيء؛ لا بشر ولا أي شيء البتة، سوى بعض نباتات الصحراء المتفرقة هنا وهناك. سكون اللقطة، المفصول عن واقع ما شاهدناه في سابق اللقطات الافتتاحية، يحيلنا فجأة إلى أن الفيلم دخل في جو خيالي وخال من أي معنى؛ من دون صوت، فقط تأمل آخر عبر الصورة. وعندها يتبادر ذلك السؤال: ماذا يريد لاشيه؟ ما وراءه وفيلمه؟ هل نحن أمام قفزة إلى خيال، وما تعنيه تلك اللقطة المجردة بارتباطها مع الافتتاحية؟ هل بتلك اللقطة الواسعة والخيالية للصحراء سنكون أمام بداية عالم سينتهي، أم أمام نهاية عالم سيبدأ مجددا؟.
«صراط»، ومن عنوانه العربي، هو الطريق القويم، السليم. إلا أن لاشيه يكمل المعنى العربي للكلمة، بوصفه الجسر بين الواقع، عبورا إلى مكان غير معروف وغير آمن، لكنه كذلك مثير للاهتمام، من دون معرفة حالة الطريق بالضرورة «صراط» ، بمعايير بنائه كأساس، هو فيلم طريق وسط الصحراء المغربية، لكنه، بدءا من عنوانه الغامض، يشق لنفسه طريقا نحو هدف؛ بحثا عن معنى، وتأملا في وجود، وضياعا في المكان، والأهم: الخلاص وارتباطه بالحرية. بدءا من اللحظة التي تجمع المحتفلين الصاخبين بلويس (الأب) وإستيبان (الابن)، وفي خضم التناقض في العلاقة بين الشخوص، من حيث عبثية الجموع وانفصالهم المستمر عن الواقع، وجدية وإرادة الأب وابنه في إيجاد الابنة «مار»، تنشأ العلاقة بين الأطراف بفعل مشهد يتقد بفرار الجموع، ولويس وإستيبان معهم، من الشرطة المغربية في وسط الصحراء. تعقيد المشهد في ظرفه يعمل على جمع هذين المتناقضين من الأطراف معا. إذ يجد لويس المبرر لبقائه ومتابعة الرحلة مع الجموع الهاربة، متحملا كل المخاطر التي قد تخطر بباله لاحقا، لسبب واحد فقط: هو اعتقاده بأن ابنته ضلت الطريق في الصحراء، وأن أفراد الجموع الراقصة والهاربة يعرفون طريقا لها، وقد يدلوه أو أحدهم إليها، لهذا يصر على الاستمرار. تأصيل لحظة الفرار الجماعي يدفع بالفيلم إلى مديات أعمق في تحقيق الأواصر والحوارات المعمقة بين الأطراف، مع استمرارية دائمة للعبث والرغبات. عندها يتمدد إيقاع «صراط» على أرضية مفروشة بالأسئلة التي لا ينشغل الفيلم أبدا بالإجابة عنها، لكنه يتيح تلك الفسحة المطلوبة لإمكانية التأمل وسط الأحداث، إذ يحفز في مؤثراته الخارجية تلك الأسئلة، في محاولة لتأصيل المعنى العام في ماهية الوجود. إنه ليس عن الرحلة، وإن كانت ماثلة أمام أعيننا، ولكنه عن ماهية الرسالة المستنبطة، ولماذا تولدت، وإلى أين أدت بنا.
باعتراف سيميولوجي حقيقي وغير قابل للشك، ينجح أوليفر لاشيه في توحيد الفكرة الرئيسية من الفيلم، وهي التأمل الواسع في الوجود والطريق الذي من الممكن أن نسلكه في حياتنا، عبر الصورة والشخوص في حواراتها القليلة. وبالحديث عن هذا المعنى، علينا التطرق إلى أدوات لاشيه الحيوية والبارعة في الفيلم، وهي تبدو جلية في صورة الفيلم ولقطاته. فنحن أمام لقطات واسعة للصحراء، تعكس بشكل واضح مشقة الطريق في وسط الفيلم، أو في أحيان أخرى تكون مرآة لواقع الشخوص، خصوصا قرب نهاية الفيلم. أما اللقطات المقربة، والتي كانت رائعة في نقل أحاسيس بالغة من التأمل، والخوف، والعبث، أو في أحيان متقدمة، في نقل الفاجعة. وإذا كانت الصورة بالغة في تعميق الأثر في الأحداث، ونقل الرؤى برموز سيميولوجية رائعة، فإن أوليفر لاشيه يعمد إلى تجميلها بالصوت والموسيقى، بشكل فني بالغ التأثير، والتحفيز، والإثارة. أسلوب أقل ما يقال عنه إنه رائع، بالغ العنف في مشاعره، ومرعب حد الهلاك، لكنه في ذات الوقت شغوف بالأسئلة. تلك الضربات لموسيقى التكنو تخلف أحاسيس تديرنا في المتاهة، وربما تقذف بنا إلى طريق للخلاص، أو إلى الفناء. إن إيمان أوليفر لاشيه بنص فيلمه وبمنحنى بناء الأحداث، يشبه من يقود المشاهدين في طريق طويل ووعر. وبرأي شخصي، فإن هذا أبلغ وصف يمكن الخروج به من مشاهدة فيلم «صراط» إذ يمد لاشيه يده بحنو ليقودنا، نمشي خلفه معصوبي الأعين في البداية المبهمة، مرورا بالانعطافات في وسط الطريق. وبذلك الهدوء المتحفز، يفك اللثام قليلا ليرينا تلك الانعطافة، أما في النهاية فيتركنا وحيدين، معلقي الأعين، لا يغمض لنا جفن بتوتر وحماس هائلين.
أما الامتحان الهائل في فيلم «صراط» فيكمن في الأداء التمثيلي البارع، وهو تعضيد لفكر الفيلم كأرضية للواقع. يبرز بشكل عاطفي دور «إستيبان»، الذي أداه برونو نونيز. فقد مثل إستيبان العنفوان الوجداني الصامت، كونه ولدا في مقتبل العمر؛ في صمته منح دلالات عميقة للضعف الإنساني لمن حوله، كما أضاف دوره بعدا معمقا للسؤال الأخلاقي حول الوجود. وإن بدا إستيبان بذلك المعنى البريء والشعري الصامت، فإن شخصية «لويس» وقد أداها ببراعة سيرجي لوبيزتمثل النموذج التقليدي لماهية البشر في تناقضاتها، وصولا إلى هم الوهم. شخصية غير مركبة، لكنها معبأة؛ تقود، ولكنها غير عارفة بحقيقة الشعور، وصولا إلى لحظة تحاول فيها سبر أغوار مواصلة الرحلة من عدمها. هنالك لقطة بالغة الأثر نحو نهاية الفيلم، يقف فيها لويس وسط الصحراء وحيدا، وخلفه رفقاء الرحلة. يقف لبرهة تبدو قصيرة في سياق زمن الفيلم، لكن يمكن الإحساس طويلا بما استبد بشخصيته وصولا إلى تلك اللقطة. لقد فقد السيطرة على إحساسه الحركي بمواصلة الرحلة من عدمها، لكنه في مقابل ذلك، وبتناقض رهيب، أكمل مساره راجلا، بشعور غير مدرك عقليا، لكنه يبدو منطقيا. أما عن الجموع الراقصة، فقد برز بشكل جميل أداء جايد أوكيد في دور «جايد»؛ إذ مثلت الرقة الهشة والعنفوان الراقص المثير. هي، كما إستيبان ولويس، معبأة بالحيوية والارتباك، لكنها تمثل واقعا إنسانيا معاصرا، بوصفه أصيلا في مديات تناقضه.
بدءا بتلك الرمزيات غير الواضحة في البداية، وانتهاء بتلك التي تتعلق بالوجود وهدفه؛ عن الخوف من المستقبل، والندم من الماضي، وعن الهلع في الخلاص. يستبد «صراط»، من خلال رسالته الفيلمية، بقسوة خارجية تتجه نحو الهلاك، لكنها داخليا حانية ووجدانية. إنه إحساس يتعاظم مع آخر لقطة، لنتساءل، بدهشة فاغرة الفم، عن ماهية الصراط، وجدوى الوجود برمته.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

صوت هند رجب ينال جائزة الأفضل من جمعية نقاد السينما المصري

فيلم «صراط » .. ماهو وجودنا على أية حال؟

"عائلة للإيجار": فيلم عن آفة الوحدة في القرن الحادي والعشرين

مقالات ذات صلة

سينما

"روح الكيفلار" للسويدية هِتش: الواقع يتغيَّر والسينما تعاينه

قيس قاسم تميل السينما السويدية، والاسكندنافية عامة، إلى بحث حالة الكائن البشري من منظور وجودي وفلسفي. هذا يفسّر سبب معاينتها الدائمة جوّانيات أبطالها، واعتبار الخارج هامشاً وفضاء عاماً، يتحرّكون وسطه، من دون كثير اهتمام...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram