ذي قار / حسين العامل
تمنح محافظة ذي قار شهادة «مواطن فخري» لعالم الآثار الإيطالي فرانكو دي أوغستينو، تقديرًا لجهوده الممتدة لأكثر من عقدين في مجال التنقيب الأثري داخل المحافظة، فيما يبرز اسمه بوصفه مكتشف أول مستوطنة بشرية في جنوب العراق تعود إلى عصر العبيد (4200 عام قبل الميلاد) في موقع إريدو الأثري.
وجرى التكريم بحضور محافظ ذي قار هيثم عزيزي الحمداني والسفير الإيطالي نيكولو فونتانا، الذي زار المحافظة مؤخرًا. ويعمل دي أوغستينو في عدد من المواقع الأثرية المهمة، من بينها أبو طبيرة وإريدو، المرتبطتان بالحضارة السومرية.
وكان دي أوغستينو قد أعلن في أواسط نيسان 2023 الكشف عن مستوطنة بشرية في موقع إريدو تعود إلى عصر العبيد، في خطوة وصفها بأنها نادرة في جنوب العراق. ويترأس الباحث الفريق التنقيبي في الموقع، ويؤكد أنهم عملوا في مدينة أور خمسة أعوام، وفي إريدو أربعة مواسم تنقيبية، حيث جرى التنقيب في مربعين؛ أفضى الأول إلى اكتشاف مقبرة تعود إلى عصر العبيد (4200 عام قبل الميلاد)، فيما أسفر الثاني عن العثور على مستوطنة أو قرية قريبة من المقبرة.
ويقول إن أهمية الاكتشاف تكمن في نُدرة العثور على مستوطنات تعود إلى عصر العبيد في جنوب العراق، مشيرًا إلى أن المكتشفات تسهم في فهم طبيعة الحياة اليومية والمعتقدات السائدة آنذاك، ولا سيما ما يتعلق بمصير الإنسان بعد الموت. ويوضح أن التنقيب في المقبرة كشف عن هياكل عظمية ترافقها هدايا جنائزية تمثلت في جرار ولقى حجرية وُضعت إلى جانب الجثمان، من دون العثور على أي نوع من الطعام داخل الجرار.
ويضيف أن مكتشفات المستوطنة تكشف عن تفاصيل الحياة اليومية، من نوعية الطعام إلى طبيعة الملابس وأسلوب العيش. ويؤكد أن عالم الآثار «يكون أكثر سعادة لو اكتشف حمامًا ولم يكتشف قصرًا»، موضحًا أن القصور تعكس ما أراد أصحابها إظهاره، فيما تكشف الحمامات أسرار الحياة الحقيقية للسكان.
ويشير الباحث أمير دوشي، الذي رافق دي أوغستينو خلال حفل التكريم، إلى أن المحافظة منحت شهادة «مواطن فخري» تقديرًا لجهوده في التنقيب واهتمامه بالإرث الرافديني، مضيفًا أن عمله لم يقتصر على الحفريات، بل تضمن إصدار دراسات وكتب عن الحضارة السومرية في بلاد الرافدين. وتنص شهادة «مواطن فخري» التي قدّمها المحافظ على أن القرار يأتي «انطلاقًا من المسؤولية الوطنية في تكريم القامات العلمية والإنسانية التي أسهمت بإخلاص في خدمة الحضارة الإنسانية»، وتقديرًا لما بذله دي أوغستينو، رئيس قسم الدراسات في جامعة روما، من جهود علمية وثقافية في مجالات التنقيب والتوثيق وصون الإرث الحضاري العراقي.
وتشير الوثيقة إلى دوره في دراسة وتوثيق آثار أور التاريخية، ومشاركته في مشاريع بحثية دولية، وإسهاماته في إعداد دراسات علمية، فضلًا عن دوره في تأسيس كلية الآثار في محافظة ذي قار، ومشاركته في مؤتمرات وندوات داخل العراق وخارجه، ودعمه الحركة الثقافية والأدبية وعضويته في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين.
ويخلص المحافظ في نص الوثيقة إلى أن منحه الشهادة يأتي «اعترافًا بما قدمه من خدمات جليلة وإسهامات مشهودة أسهمت في تعزيز المكانة الحضارية لمحافظة ذي قار وإبراز إرثها التاريخي على المستويين الإقليمي والدولي».
وفي تعليق له، كتب الروائي نعيم عبد مهلهل في تدوينة على «فيس بوك» أن الخبر يحمل «دلالات جميلة تمتلك بعدًا حضاريًا لكل من يقدم خدمة للمدينة التي تعلقت بها خطوات البدء التاريخي منذ أور وحتى اليوم»، معتبرًا أن تكريم دي أوغستينو ثمرة لجهده في التنقيب والكتابة عن الإرث السومري، وأن كتابه «سومريون» أضاف قيمة إلى البحوث التاريخية عن عهود سومر.
وتُعد إريدو لدى السومريين مركز عبادة للرب «إنكي»، الذي عُرف لاحقًا لدى الأكديين أو البابليين باسم «إيا» Ea، وكان يمثل رب الماء. وتشير الأساطير السومرية إلى أن مملكة إنكي كانت المياه التي تحيط بيابسة الكون، فيما يرجح عدد من علماء الآثار أن إريدو من أوائل مدن السومريين، وربما يعود تاريخ بنائها إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.
وشهدت المدينة أعمال تنقيب عدة، بدأت عام 1855 على يد «جون جورج تايلور»، ثم «ر. كامبل طومسون» عام 1918، و«إتش. آر. هول» عام 1919، قبل أن تُستأنف بين عامي 1946 و1949 برئاسة «فؤاد سفر» و«سِتون لويد» من قبل «المديرية العامة للآثار والتراث العراقية». وفي عام 2014 تواصلت أعمال التنقيب بجهود إيطالية وفرنسية وعراقية مشتركة. وأُدرجت مدينة إريدو في منتصف تموز 2016 على لائحة التراث العالمي، إلى جانب مواقع أور والوركاء و«الأهوار الأربعة» في جنوب العراق، بوصفها موقعًا تراثيًا عالميًا مختلطًا (طبيعي – ثقافي).










