كارول ماسالسكي
ترجمة: عدوية الهلالي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وإعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي في العراق، برزت مسألة تفكيك الميليشيات العراقية، ولا سيما قوات الحشد الشعبي، كقضية استراتيجية رئيسية، وأعادت إحياء النقاش حول سيادة الدولة العراقية. وقد زاد المناخ الإقليمي في أعقاب أحداث 7 تشرين الاول، والذي تميز بإعادة تشكيل محور المقاومة الإيرانية، من أهمية قضية سيطرة الدولة على الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق، مدفوعةً بتشديد المطالب الأمريكية والجدول الزمني للانتخابات العراقية الذي يُكثّف الضغط على السلطات المركزية.
في هذا السياق، يُشير النقاش المُتجدد حول حلّ الجماعات المسلحة ودمجها الكامل في الدولة إلى عملية تتطلب زوال هياكلها المستقلة، وتسليم أسلحتها، وتحويلها إلى نشاط سياسي بحت.لماذا إذًا تتسارع وتيرة هذه القضية اليوم؟ ما هي العقبات الهيكلية والظرفية التي تُعيق تنفيذها؟ وإلى أي مدى يُعدّ تفكيك قوات الحشد الشعبي أمرًا ممكنًا وذا صلة حقيقية في ضوء استقرار العراق وتوازن القوى الإقليمي فيه؟
لقد أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي تميز بحل الجيش وتفويض الأمن لجهات خارجية، إلى زعزعة استقرار الدولة العراقية بشكل عميق، وخلق الظروف الملائمة لتفتيت دائم، وإعادة تعريف السيادة واحتكار العنف في العراق ما بعد عام 2003. وفي هذا السياق، عززت إيران نفوذها تدريجياً بالاعتماد على الشبكات السياسية العسكرية الشيعية، التي توطدت بعد عام 2014 مع إنشاء قوات الحشد الشعبي. وقد تأسست قوات الحشد الشعبي عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وسرعان ما برزت كفاعل محوري في المشهد السياسي والاجتماعي والأمني للعراق. وقد منحها دورها في هزيمة التنظيم الجهادي شرعية شعبية، وتشكل هذه الميليشيات مجموعةً غير متجانسة ذات انتماءات أيديولوجية متنوعة، أغلبها شيعية، ولكن يوجد أيضاً سنية ومنتمية إلى أقليات دينية. وقد أضفى القانون رقم 40 لسنة 2016 الطابع المؤسسي على قوات الحشد الشعبي بوضعها تحت السلطة المباشرة لرئيس الوزراء، دون دمجها في الوزارات السيادية، ما يُرسّخ وجود قوة مسلحة موازية. ورغم دمجها رسمياً في الدولة، فإنها تحتفظ باستقلالية تنظيمية وسياسية وأيديولوجية كبيرة، ولها إدارتها وميزانيتها وتسلسل قيادتها الخاص، ما يُحدّ بشكل كبير من أي سيطرة مركزية. وبينما تتعاون بعض الوحدات مع قوات الأمن العراقية، تسعى وحدات أخرى إلى تحقيق أجندات داخلية أو عابرة للحدود. ويؤدي هذا الغموض المؤسسي إلى تآكل الحدود بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية بشكل دائم، لا سيما وأن قوات الحشد الشعبي قد طورت سمات شبه حكومية وتؤدي محلياً وظائف أمنية وإدارية واجتماعية يُنظر إليها أحياناً على أنها أكثر فعالية من وظائف الدولة.. وبعيدًا عن كونها مجرد جماعات مسلحة، فهي تُشكل مؤسسة متكاملة، تمارس سلطة محلية، وتسيطر على الشبكات الاقتصادية الرسمية وغير الرسمية، وتشارك مشاركة كاملة في الحياة السياسية. لذا، فهي ليست حالة شاذة، بل فاعل محوري في إعادة تشكيل الدولة العراقية، تُطمس باستمرار الحدود بين الشرعية المؤسسية والاستقلال الفصائلي، والسيادة الوطنية والمنطق العابر للحدود، لذا فإن استبعادها أو محاولة تحييدها بمعزل عن غيرها لا يُمكن أن يُفضي إلى حل قابل للتطبيق إذ يُعدّ اتباع نهج هيكلي ضروريًا، قائمًا على فهم دقيق للشبكات وترابطاتها، فضلًا عن الاعتراف المنظم بقوات الحشد الشعبي كمؤسسة أمنية تخضع لقواعد الحوكمة والشفافية والمساءلة.
يجب تقييم أهمية النقاش الدائر حول نزع سلاح الميليشيات العراقية في سياق إقليمي يتسم بالتوترات الأخيرة في سوريا،لذا فإن ثمة خطر حقيقي في التفكير بتفكيك الميليشيات العراقية، ففي ظل الظروف الأمنية الراهنة، من شأن التفكيك السريع أن يخلق خطر فراغ أمني قد تستغله الشبكات الجهادية، مع إضعاف قدرة الدولة على إدارة احتجاز ومراقبة المقاتلين المنقولين من سوريا.
ومع تقدّم الجدول الزمني لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، اشتدت مطالب واشنطن، وأصبح تفكيك الميليشيات، إلى جانب إعادة تأكيد احتكار الدولة لاستخدام القوة، شرطين ضمنيين لهذه العملية. ورغم الإعلان عن اكتمال الانسحاب، الذي بدأ عام 2023، بحلول منتصف كانون الثاني 2026، فإن قضية الميليشيات لا تزال عالقة إلى حد كبير، وتستمر في كونها موضع ضغط أمريكي متواصل. في ظل هذا الضغط المتزايد، تواجه الميليشيات العراقية الموالية لإيران معضلة هيكلية، وهي حافز متزايد للاندماج في الدولة للحفاظ على مكاسبها السياسية والمؤسسية، إلى جانب اعتماد مستمر على القوة المسلحة، التي تُعتبر ضرورية لحماية مصالحها الاستراتيجية. في هذا السياق، يُنظر إلى نزع السلاح على نطاق واسع على أنه خطر وجودي، يُرجّح أن يُفضي إلى فقدان النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني.. لقد عززت الانتخابات التشريعية التي جرت في 11 نتشرين الثاني 2025 هذا الحضور المؤسسي، محققةً نتائج مهمة لتحالف الصادقون (27 مقعدًا)، وحزب بدر (18 مقعدًا)، وحزب الحقوق (6 مقاعد). مع ذلك، طالبت واشنطن باستبعاد هذه الجماعات، من عملية تشكيل الحكومة المقبلة عبر أجنحتها السياسية. ويُفسر النجاح الانتخابي لهذه التشكيلات الموقف الأكثر تصالحًا الذي تبناه بعض قادتها استجابةً للمطالب الأمريكية، إذ يسعون إلى تحويل رصيدهم الانتخابي إلى شرعية سياسية دائمة.
في هذا السياق، أكد العديد من المسؤولين علنًا التزامهم المبدئي باحتكار الدولة للأسلحة. ويتمثل التحدي الرئيسي لهذه الفصائل في مواصلة توسيع نفوذها عبر القنوات المؤسسية المعترف بها، بالاعتماد على تمثيلها البرلماني المباشر أو غير المباشر ضمن إطار التنسيق، وترسيخ مكانتها ضمن عملية تدريجية للتطبيع السياسي تستند إلى الشرعية الانتخابية.
وفي 20 كانون الأول 2025، أدلى رئيس المجلس الأعلى للقضاء، فائق زيدان، بتصريح علني، أعلن فيه أن قادة الفصائل المسلحة قد اتفقوا على تنسيق جهودهم لدعم تعزيز سيطرة الدولة على الأسلحة، وقبلوا التعاون في قضية احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهي قضية حساسة. وشكرهم على التزامهم بتوصياته، داعيًا إلى احترام سيادة القانون، وحصر حيازة الأسلحة في أيدي الدولة، وإعطاء الأولوية للعمل السياسي البحت، لكن هذا التصريح أثار انتقادات فورية من مسؤولين أمريكيين، ولا سيما النائب جو ويلسون، الذي ندد بما وصفه بتساهل القضاء العراقي تجاه الفصائل المسلحة.وقد اتخذ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني موقفًا مماثلًا، مشيدًا بالحرب على الإرهاب التي قادها الزعيمان الراحلان سليماني والمهندس، ومؤكدًا أن حصر السلاح في يد الدولة خيارٌ سيادي عراقي، بمنأى عن أي تدخل خارجي، وأحد الركائز الأساسية لبرنامج الحكومة، وفقًا لتوجيهات أعلى مرجعية دينية شيعية في البلاد.
إلا أن هذه المحاولة لإعادة صياغة المؤسسات قوبلت برفض فوري من الفصائل المسلحة. ففي بيان مشترك، أكدت لجنة تنسيق المقاومة العراقية،على قدسية سلاح المقاومة في بلد لا يزال يُعتبر محتلًا، رافضةً أي نقاش حول نزع السلاح ما لم يتم تحرير الأرض بالكامل من جميع أشكال الاحتلال. ويُبرز هذا الموقف تحولاً واضحاً من جانب بعض الجماعات، مثل عصائب أهل الحق، وحركة أنصار الله، وكتائب سيد الشهداء، التي كانت قد أبدت سابقاً انفتاحاً أكبر على التفاوض والتسوية.
وفي هذا السياق المتوتر أصلاً، أدى ترشيح نوري المالكي، الشخصية المثيرة للجدل، لرئاسة الحكومة المقبلة، إلى تفاقم التوترات مع واشنطن.فقد هددت الولايات المتحدة بسحب جميع أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والأمني عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة، مستندةً إلى سجله السابق الذي اعتبرته ضاراً وقربه من الميليشيات الموالية لإيران، وهي تحذيرات رفضها المالكي والعديد من الشخصيات السياسية فوراً، معتبرينها تدخلاً أجنبياً وانتهاكاً للسيادة العراقية. مع ذلك، لا تزال العملية الانتخابية متعثرة بسبب تأجيل تكليف رئيس الجمهورية، وهي خطوة لا غنى عنها لتعيين رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. ويزيد هذا الوضع من تعقيد تشكيل الحكومة، لا سيما بعد أن صرحت واشنطن بأنها لن تتسامح مع أي جماعة مسلحة داخل الحكومة المقبلة.
ومع عرقلة تشكيل الحكومة، يُعطّل تأجيل تكليف الرئيس فعلياً أي قرار مؤسسي هام، لا سيما فيما يتعلق بتفكيك الميليشيات. ويبدو الغموض الذي تُبقي عليه الميليشيات وبعض المسؤولين العراقيين أداةً لكسب الوقت في مواجهة الضغوط الأمريكية، سواءً ريثما يتم تشكيل الحكومة أو تحسبًا لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي عام 2026، والتي قد تُخفف من حدة هذه القضية.
ومنذ عام 2025، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة التدخل في الملف العراقي، ليس بهدف إعادة بناء دولة مركزية، بل من منطلق احتواء النفوذ الإيراني ضمن نظام مؤسسي ساهمت هي نفسها في تفتيته منذ عام 2003. وبالتالي، لا يمكن اختزال السيادة العراقية إلى مجرد تفكيك قوات الحشد الشعبي، إذ يتناقض التدخل الأمريكي الملحوظ مع هذا الطموح المعلن، وقد أصبحت الميليشيات متداخلة بعمق مع هياكل الدولة. لذا، فإن دور الجماعات المسلحة الموالية لإيران لا يندرج ضمن مشروع إعادة بناء السيادة بقدر ما يندرج ضمن استراتيجية أمريكية تهدف بالدرجة الأولى إلى الحد من النفوذ الإيراني ودور هذه الفصائل في الأمن السياسي، حيث يبدو تفكيك قوات الحشد الشعبي أداةً من أدوات السياسة الإقليمية لواشنطن، بما يتماشى مع مطالبها من طهران، بما في ذلك إنهاء الدعم الإيراني لما يُسمى بجماعات المقاومة المسلحة في المنطقة.
• استاذة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط










