TOP

جريدة المدى > عام > (رواية حياتي) تتعمق في سؤال الهوية والذاكرة والوجود الإنساني

(رواية حياتي) تتعمق في سؤال الهوية والذاكرة والوجود الإنساني

نشر في: 16 فبراير, 2026: 12:01 ص

علاء المفرجي
تُعد (رواية حياتي) تاليف ليوناردو بادورا الصادرة عن المدى بترجمة بسام البزاز، واحدة من الأعمال الأدبية البارزة للكاتب الكوبي ليوناردو بادورا الذي يُعتبر من أهم الأصوات الروائية في أدب أميركا اللاتينية المعاصر. فأعماله تتميز عمومًا بقدرتها على المزج بين السرد الشخصي والتأمل التاريخي والاجتماعي، مع حضور واضح للواقع الكوبي وتحولاته السياسية والثقافية. يشتهر بادورا خصوصًا بسلسلة رواياته البوليسية التي بطلها «ماريو كوندي»، لكن (رواية حياتي) تمثل بعدًا أكثر ذاتية وتأملًا، إذ تتعمق في سؤال الهوية والذاكرة والوجود الإنساني.
رواية حياتي تدور حول شخصية رئيسية تستعيد مسار حياتها عبر استرجاعات زمنية متداخلة. لا يعتمد السرد على خط زمني مستقيم، بل يتنقل بين الماضي والحاضر، مستعرضًا: الطفولة والنشأة، التحولات العاطفية، خيبات الأمل، العلاقة بالوطن، أثر التاريخ الشخصي في تشكيل الهوية. وهي ليست مجرد سرد لأحداث، بل محاولة لفهم الحياة بوصفها شبكة من الذكريات والانكسارات والآمال المؤجلة.
تلعب الذاكرة في هذه الرواية دورًا محوريًا في الرواية، حيث تتحول إلى وسيلة لفهم الحاضر. يستكشف بادورا كيف أن الإنسان يعيد تشكيل ماضيه كلما استدعاه، وأن الحنين ليس دائمًا صورة صادقة بل قد يكون إعادة خلق.
فالشخصية الرئيسية تعيش صراعًا داخليًا بين ما أرادت أن تكونه وما انتهت إليه. هذا التوتر يعكس سؤالًا أعمق: هل نصنع حياتنا بإرادتنا، أم أن الظروف الاجتماعية والسياسية هي التي تحدد مساراتنا؟ فتى دون مغادرة البلاد، يشعر البطل أحيانًا بنوع من "المنفى الداخلي"، وهو شعور شائع في أدب بادورا، حيث يعيش الفرد حالة اغتراب داخل مجتمعه.
الزمن في رواية حياتي ليس مجرد إطار للأحداث، بل عنصر فاعل يغيّر القيم والعلاقات والأحلام. هناك حضور واضح لفكرة الخيبة، لا بوصفها نهاية، بل كمرحلة من النضج الإنساني.
يتميز أسلوب بادورا بـلغة واقعية لكنها شاعرية في لحظات التأمل، ووصف دقيق للتفاصيل اليومية، أما الحوارات فعميقة تعكس التوترات النفسية، ويستند في أغلب أعماله على بنية زمنية غير خطية تعكس طبيعة الذاكرة. وفي هذه الرواية يعتمد على السرد الداخلي (المونولوج)، ما يمنح القارئ قربًا شديدًا من وعي الشخصية.
وعلى الرغم من أن الرواية ذات طابع شخصي، فإنها لا تنفصل عن السياق الاجتماعي. يظهر المجتمع الكوبي في الخلفية كقوة مؤثرة في حياة الأفراد، سواء عبر القيود الاقتصادية أو التحولات الثقافية أو التغيرات في القيم. لكن بادورا لا يقدّم خطابًا سياسيًا مباشرًا؛ بل يترك للوقائع الإنسانية أن تكشف أثر السياسة في الحياة اليومية.
إنها رواية عن الإنسان قبل أن تكون عن الوطن، وعن الذاكرة قبل أن تكون عن التاريخ. حيث تقدم رواية حياتي تجربة قراءة تأملية عميقة، تُشبه جلسة طويلة مع الذات. من خلال شخصية تبحث عن معنى حياتها، يطرح ليوناردو بادورا سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فهم حياتنا حقًا، أم أننا نظل نحاول إعادة سردها لنمنحها معنى؟
إنها رواية تستحق القراءة لمن يهتم بالأدب الذي يمزج بين البعد الإنساني والواقعي، ويغوص في أعماق النفس دون أن ينفصل عن نبض المجتمع.
وليوناردو بادورا كاتب وصحفي كوبي وُلد في 9 أكتوبر 1955 في هافانا، ويُعدّ من أبرز الروائيين في أميركا اللاتينية المعاصرة، وقد اكتسب شهرة عالمية بفضل أعماله التي تمزج بين الرواية البوليسية والتحليل الاجتماعي والتأمل التاريخي.
بدأ بادورا حياته المهنية صحفيًا، وتركزت اهتماماته المبكرة على النقد الأدبي والتحقيقات الثقافية. لاحقًا اتجه إلى كتابة الرواية، وبرز اسمه من خلال سلسلة روايات بوليسية بطلها المحقق "ماريو كوندي"، التي قدم من خلالها صورة عميقة عن المجتمع الكوبي وتحولاته السياسية والاقتصادية. من أشهر أعماله: «الإنسان الذي كان يحب الكلاب» (رواية تاريخية تتناول سيرة ليون تروتسكي)
وسلسلة روايات "ماريو كوندي". ويُنظر إلى ليوناردو بادورا باعتباره صوتًا أدبيًا مستقلًا يعكس الواقع الكوبي بصدق وجرأة، دون الوقوع في الخطاب الدعائي أو المباشر. وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، مما جعله أحد أكثر الكتّاب الكوبيين انتشارًا عالميًا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الخزاف شنيار عبد الله يثير الأسئلة في معرضه الجديد

برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة

بروتريه: لـطــيـف العـانـي.. جمال العراق الخفي

الكاتبة (آنا هوب): رواية "ميراثنا"..احداث تجري خلف الأبواب المغلقة

قوة العمر و المدوّنة الجمالية

مقالات ذات صلة

ذاكرة ثقافية..جماعة
عام

ذاكرة ثقافية..جماعة "الواق واق" وجماعة "الوقت الضائع"

جمال العتّابي للجماعات الأدبية والفنية امتداد طويل في تاريخ العراق الثقافي والفني منذ تكوين الدولة العراقية وانفتاح الثقافة والفن على مصادر متنوعة من الأفكار والمفاهيم والتيارات الحديثة. اقترن ظهور العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram