امجد السواد
يُعدّ مفهوم الفصام السياسي أو الشيزوفرينيا السياسية من أكثر المفاهيم قدرةً على توصيف الازدواجية العميقة في الشخصية العراقية، سواء حين يكون الفرد محكومًا أم حين ينتقل إلى موقع الحُكم. فالعراقي، وهو في موقع الخضوع، يمارس النقد، ويعارض، ويُشخّص العلل، ويُظهر حماسةً صادقة للإصلاح. غير أن هذه الشخصية ذاتها، ما إن تنتقل إلى موقع السلطة، تمارس الفعل نفسه الذي كانت قد جنّدت ذاتها سابقًا لانتقاده والوقوف ضده.
لقد عانى الشعب العراقي هذا الفصام السياسي منذ بدايات تكوين الدولة العراقية الحديثة. ففي العهد الملكي، كانت الدولة قائمة على بنيةٍ طبقيةٍ واضحة، فشلت في استيعاب الخبرات الشعبية وإدماجها في إدارة الدولة، وبقيت السلطة محصورة في أطر برجوازية ضيقة. هذا الانفصال البنيوي بين الدولة والمجتمع لم يُعالَج، بل أُزيح بانقلابٍ عسكريٍّ دمويّ، لم يكن هدفه علاج المرض، بل إزالة النظام القائم فقط.
وهكذا انتقلت السلطة من طبقةٍ برجوازية إلى طبقةٍ عسكرية، فازداد الفصام عمقًا. فالعقل العسكري، بطبيعته النازعة إلى القسوة والانضباط القسري، أعاد إنتاج القطيعة مع المجتمع، ولكن بصورة أشد. وحين حاولت الأحزاب السياسية لاحقًا شقّ طرقٍ شعبية نحو السلطة، لم تكن تمتلك أي استراتيجية حقيقية لمعالجة هذا الخلل البنيوي، فبقي الفصام في ذروته.
بل إن دخول العقل العسكري إلى السلطة، عبر النقابيات والتنظيمات المسلحة، دمّر البنية السلطوية نفسها، وأنتج حالةً مركّبة من شيزوفرينيا سادية لدى السلطة، ومازوخية سياسية لدى المجتمع؛ حيث بدأ الشعب يحترم القوة والقسوة، فيما يتعامل بازدراء مع العدالة والقانون. وهنا بلغ الفصام السياسي في العهد العسكري أحد أعمق مستوياته.
لاحقًا، ومع صعود حزب البعث بوصفه "طبقة خادمة" للسلطة، تحوّل الفصام من ظاهرةٍ سياسية إلى وباءٍ اجتماعي. لم يعد الانقسام بين سلطة وشعب فحسب، بل تسلّل إلى داخل العائلة العراقية نفسها. صار الفرد يتأرجح بين هويتين: هو ابنٌ أو أخٌ أو صديق، وهو في الوقت نفسه بعثيٌّ، أمنيٌّ، أو مخبر. وفي لحظاتٍ كثيرة، تغلّبت شخصية السلطة على رابطة الدم، فكانت الوشاية سببًا في إعدام عائلاتٍ بأكملها.
تحوّلت ممارسة الفصام إلى وظيفة: وكيل أمن، أو رفيق خط مائل، أي كتابة التقارير الحزبية والأمنية للتقرب من السلطة. وتمزّق النسيج الاجتماعي، وتفرّعت شخصيات الأفراد إلى وجوهٍ متعدّدة، حتى بات معظم العراقيين – إلا من رحم ربك – مصابين بهذا المرض السياسي في زمن الطاغية.
ثم جاء الحصار، فدقّ إسفين الجوع في قلب هذا الفصام. توحّش من جهة، حين أصبح منطق "الغالب والمغلوب" هو الحاكم، وسقط من جهة أخرى، حين استسلم المجتمع للبقاء العاري، ونجا من نجا.
وعندما ظنّ الجميع أن الفرج قد حلّ بسقوط النظام، وأن زمن الشيزوفرينيا السياسية قد انتهى، ارتدّت المعارضة على أعقابها. فإذا بها تتحوّل إلى مزيجٍ من البرجوازية الجديدة والعقل السلطوي العسكري، لتُنتج هذه المرة طبقيةً أوليغارشية فاضحة، تجاوز فيها التفاوت الاجتماعي أضعاف ما كان عليه في العهد الملكي.
نحن اليوم أمام بلدٍ يُفترض أنه يتبنّى خطابًا اشتراكيًا، يقوم على اقتصادٍ ريعي، لكنه يُنتج طبقاتٍ ثرية لا لشيء سوى قربها من السلطة، أو لكونها من أقاربها أو أصدقائها. هنا لم تعد الشيزوفرينيا السياسية مرضًا قابلًا للعلاج، بل تحوّلت إلى حالةٍ استعصت على كل وسائل العلاج الدوائية والنفسية.
إن شيزوفرينيا السلطة–الشعب في العراق اليوم من أعقد أمراض السياسة، لأن حلّها واضحٌ من حيث المبدأ، لكنه فاضحٌ ومكلفٌ إلى حدٍّ غير مسبوق. فثمن العلاج هذه المرة لا يُقاس بتغيير نظامٍ أو إسقاط حاكم، بل بمواجهة عشرات الآلاف من المتخمين بالمال السياسي، المحاطين بقوى تنظيمية وأتباع وأشياع. وهي مواجهة غزيرة النزف، قد تبلغ حدّ الموت.










