علي حسين
تأمّل العراقيون أن يكون التغيير بوابتهم لتأسيس دولة القانون والمواطنة، غير أنهم اكتشفوا بعد سنوات من سقوط تمثال صدام أن الأمور تمضي وكأن الذين يحكموننا يكرهون القانون ويحتقرون الحرية، وقصة محافظات العراق التي تحولت جميعها الى مدن مقدسة ، حكاية عجيبة سيرويها التاريخ للاجيال ، ليدركوا ان في هذه البلاد تحالف مجموعة من السياسيين على قتل الفرح والحرية في نفوس العراقيين
خُـذ مثلاً تلك الفصول التمثيلية التي قدمتها لنا أجهزة الحكومة لترطيب الأجواء، مرة معركة سعر الدولار، فبعد أن كانت بعض الأحزاب السياسية تهدد بزلزلة الأرض إذا لم ينزل لدولارعن برجه العالي ، نجدها الآن صامتة والدولار يحلق في الاجواء . ولكي تكتمل الحكاية كان لابد من اختراع صولة "المحتوى الهابط"، ولم تنته حتى خرجوا علينا بقانون البلديات وفيه تم الإعلان عن تحويل العراق إلى أفغانستان جديدة، بعدها تمت مطاردة يوم الحب ، ثم وجدناهم يلتفتون الى الغناء ، فهو جريمة اكبر من جريمة سرقة اموال الدولة ، واشد خطورة من الخطاب الطائفي والانتهازية السياسية وبيع المناصب ، والمواطن المغلوب على أمره ينتظر قوانين وقرارت جديدة تحبس عليه أنفاسه، هذه الوقائع تدور أحداثها في بلاد يذكّرنا فيها رئيس الجمهورية ومعه رئيس الوزراء ومعهما رئيس البرلمان، وقادة الكتل السياسية ليــل نهـار بأننا دولة ديمقراطية، تحترم الحريات، لكننا في زمن يصرُّ فيه البعض على اللعب بأكثر من ورقة لتمرير قوانين تصب في مصلحة السياسيين حصراً.
في كل يوم يصر ممن تسلموا أمور البلاد والعباد أن يعيدوا عجلة الزمن إلى الوراء، الى زمن الوصاية والتضييق على الحريات الشخصية..الجميع لا يريد أن يدرك أنّ الحرية ليست خطبة تلقيها عالية نصيف، ولا أُنشودة يرددها مثنى السامرائي، إنها شجاعة في المقام الأول، وهي فرض وليست منة، بل من قوانين وتشريعات تؤسس لدولة مدنية .
لقد أضعنا ما يقارب الـ " 23 سنة في خطابات مقززة عن حقوق المواطن، وسلمنا قيادة البلاد إلى " الروزخونية " وأصحاب الحظوة، وكان في استطاعتنا أن ننافس دبي وسنغافورة، لكننا قررنا أن نضع العراق في خانة واحدة مع أفغانستان والصومال!
سيقول البعض إن دستور عام 2005 أقرّ في مواد عديدة ضمان حرية الأشخاص ومعتقداتهم وآرائهم، لكن الواقع يقول إن حرية العراقيين مهددة حتى في بيوتهم، لم تعد الناس تصدق شعارات دولة القانون، كيف تتمسك الحكومة بالقانون وشرائعه وفي مؤسساتها قوى سياسية تريد إقامة نظام شمولي ولو بالترهيب؟.
والسؤال الأهم؛ إلى متى سيظلون يتحفوننا بالفواصل المثيرة التي تضفي على حياتنا طابعاً ساخراً، لكن يبدو أن هناك من لا يريد لهذه المهزلة أن تتوقف، ومنهم من لا يريد لدولة الحريات المدنية أي أثر .









