بغداد / محمد العبيدي
أعادت عملية نقل آلاف من عناصر تنظيم داعش من شمال شرقي سوريا إلى السجون العراقية فتح ملف معقد يتجاوز مسألة التسلم بحد ذاتها، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول معايير الاختيار وأولويات النقل. فالأرقام الرسمية تُظهر أن الغالبية الساحقة من المنقولين يحملون الجنسية السورية، فيما بقي آلاف العراقيين محتجزين هناك، خلافاً لتقديرات سابقة.
ولا يتعلق الجدل الدائر برفض تسلم عناصر التنظيم، بل يتمحور حول سبب نقل نحو ثلاثة آلاف سوري إلى الداخل العراقي، في حين كان يُفترض، بحسب مراقبين، إبقاؤهم في بلدهم الأصلي أو إخضاعهم لمسارات قضائية داخل سوريا.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية إتمام عملية النقل بعد 23 يوماً من الرحلات الجوية المتواصلة، مؤكدة تسليم أكثر من 5700 معتقل إلى السلطات العراقية.
وبحسب بيانات وزارة العدل، فإن 3543 من المنقولين يحملون الجنسية السورية، مقابل 467 عراقياً فقط، فيما ينتمي الباقون إلى جنسيات عربية وأجنبية أخرى. وتُظهر هذه الأرقام بوضوح أن الأولوية لم تكن لإعادة العراقيين، رغم تقديرات سابقة تحدثت عن وجود ما يقارب ثلاثة آلاف عراقي في مراكز احتجاز شمال شرقي سوريا.
تصدعات أمنية
يرى الخبير الأمني جواد الدهلكي أن «النقاش ينبغي أن يُفصل بين مستويين؛ الأول يتعلق بحق العراق في استعادة رعاياه ومحاكمتهم، والثاني يرتبط بتحمّل عبء جنسيات أخرى يفترض أن تُعالج ملفاتها داخل حدودها الأصلية»، مشيراً إلى أن «نقل هذا العدد الكبير من السوريين يؤكد وجود قناعة دولية بأن بيئة الاحتجاز في شمال شرقي سوريا لم تعد قادرة على استيعابهم بأمان، في ظل التصدعات الأمنية التي شهدتها بعض المناطق خلال الأشهر الماضية».
ويضيف الدهلكي لـ«المدى» أن «المخاوف لم تقتصر على احتمالات الهروب أو التهريب، بل شملت إمكانية إعادة تشكل شبكات دعم محلية داخل السجون أو في محيطها، ما جعل الإبقاء على آلاف السوريين داخل بيئة مضطربة مخاطرة استراتيجية».
وبحسب تقديره، فإن «التحالف الدولي بحث عن جهة تمتلك بنية مؤسساتية أكثر تماسكاً لإدارة هذا الملف، فوقع الخيار على العراق بوصفه يمتلك منظومة قضائية وأمنية أكثر استقراراً قياساً بالوضع السوري الحالي».
ووفق وزارة العدل، فإن سجن الكرخ المركزي شهد عمليات تأهيل وتصنيف استناداً إلى قاعدة بيانات زود بها التحالف الدولي، بمشاركة دول عدة، بينها الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأوكرانيا والهند وأستراليا وبلجيكا وجورجيا والدنمارك.
وذكر المتحدث باسم الوزارة أحمد لعيبي أن «أكبر أعداد السجناء جاءت من تونس (234)، والمغرب (187)، وتركيا (181)، وتركمانستان (165)، وروسيا (130)، ومصر (116)».
3 آلاف داعشي عراقي
برغم التقارير التي تحدثت خلال السنوات الماضية عن وجود نحو ثلاثة آلاف عراقي من عناصر تنظيم داعش داخل سجون شمال شرقي سوريا، فإن عدد من تسلمهم العراق ضمن الدفعات الأخيرة لم يتجاوز بضع مئات فقط، وفق بيانات رسمية.
ويذهب مراقبون إلى أن التركيز على نقل السوريين بالدرجة الأولى قد يكشف سعياً لتخفيف عبء أمني ثقيل عن الإدارة السورية الجديدة، في ظل تحديات داخلية تواجهها، خصوصاً ما يتعلق بضبط مراكز الاحتجاز ومنع أي اختراقات أو محاولات تمرد.
كما يشيرون إلى أن نقل الكتلة السورية الأكبر إلى العراق قد يكون جزءاً من تفاهمات أوسع تهدف إلى تقليص المخاطر داخل الأراضي السورية، حتى وإن ترتب على ذلك تحميل بغداد مسؤولية إضافية في إدارة ملف معقد وعابر للحدود.
لماذا نقل آلاف المعتقلين السوريين الدواعش إلى العراق.. ولم يحاكموا في دمشق؟

نشر في: 17 فبراير, 2026: 12:02 ص









