يحاول أنصار الانهيار الأخلاقي الذي انحدرت إليه السياسة العراقية والطغمة الحاكمة تدوير الأزمة المستدامة، بإظهار الموقف الوطني العراقي من إعادة الاعتبار للخراب والجريمة السياسية التي تعرض لها العراق في عهد السيد نوري المالكي، متمثلةً بترشيحه لوزارة خائبة ثالثة بدلاً من مقاضاته على ما ارتكب، كما لو أنها انحرافٌ في الوعي الوطني وانتقامٌ شخصي من رجل دولة مشهودٌ له بإنجازات لا تُقدَّر، من منطلق أيديولوجي أو لصراعٍ على السلطة مع التيار الإسلامي الشيعي تحديداً.
ويحاول هؤلاء "المالكيون"، المتلبسون بعباءة المالكي، خاطف الدعوة ومغتصب القانون، حصر الصراع بين فريقين يتقاتلان على غنائم "اغتيال الدولة" وثروات العراق ومصادرة السلطة داخل ما يسمى بـ"الإطار التنسيقي"، وهو ما يمكن معالجته كـ «دگة عشائرية» بين الفريقين، وليس كتعبير عن حلٍ للأزمة الخانقة عبر اجتثاثٍ لجذورها وتصفيةٍ لمظاهرها الطائفية المحاصصية، وما ارتبط بها من فسادٍ ونهبٍ وتمييز على الهوية وانتهاكٍ للحقوق والحريات وإخلالٍ بالتوازن الوطني وتفريغٍ لمضامين الدستور وتغييبٍ لحرمة القانون وانتهاكٍ للسيادة الوطنية وإطلاق عِنان الميليشيات وسلاحها المنفلت. بل وتخلٍ كلي عن الأسس التي شُيدت على أساسها العملية السياسية - فاقدة الشرعية - من التوافق بدل الديمقراطية، والتوازن بدل المواطنة الحرة المتساوية والمشاركة الديمقراطية، وقد دشن المالكي في عهديه نهاية الحقبة اليتيمة التي شهدت مرحلة ادعاء تكريس تلك "الأسس التوافقية" بصيحته المشهورة "ما ننطيها" وإعلان تسيده كمختار العصر وولي الدم!
لم تكن الولاية الثانية للمالكي، ولو شكلياً، امتداداً وتعبيراً عن الثالوث الذي بُنيت عليه العملية السياسية: التوافق والتوازن والمشاركة السياسية، بل انتهاكاً لكل أسسها، وتخلياً عن تعهداته في تكريسها وتطويرها كما تُظهره التزاماته أمام الرئيس الراحل الطالباني «وكنت مشاركاً في لقاءاتهما» التي بُحثت وأُقرت فيها، ولا فيما أبرمه من اتفاقٍ خطي مع الرئيس البارزاني، أو فيما أعلن من توجهات برنامجية في اجتماع أربيل الذي اتُّفق فيه على بيعته لولاية ثانية، التي ظل بادي "الارتياب" تجاه الاتفاق عليه حتى اللحظة الأخيرة قبل خطاب الرئيس مسعود بارزاني الذي تضمن عقد جلسة البرلمان وما يتبعه من خطوات لانتخاب الرئاسات الثلاث، وهو ما كنت قد أكدت له أنه "سيمر"!
سرعان ما بدت مظاهر العقوق والتخلي في سياسة المالكي وتدابيره ونهجه العام ضد الديمقراطية والحريات العامة واستكمال بناء الدولة وسوى ذلك من توجهات أُقرت في اجتماع أربيل، رغم أنها لم تكن سوى صياغاتٍ مخلة مُررت وثُبِّتت في الدستور في إطار التوافق!
في تلك المرحلة كُلفت بزيارة طهران والتداول مع الحاج سليماني، وتابعتها تمهيداً لاجتماع أربيل الثاني وثنائه الخاص بسحب الثقة عن المالكي، ارتباطاً بما تبلور من نهجٍ متعارض مع كل ما جرى الاتفاق عليه، ليس بمعزلٍ عن جهدٍ إيراني تمثل في دور الراحل قاسم سليماني من خلال لقاءاته مع الأطراف الشيعية آنذاك «ولم تكن قد فرخت عشرات الأذرع والميليشيات الولائية المسلحة». في آخر لقاءٍ في هذا الإطار وعد سليماني بمعالجة كل ما تشكو منه الأطراف المعارضة لنهج المالكي، وكان هذا التعهد قد مرره الحاج أكثر من مرة، فرأيت أن أذكره بأن هذا الجهد لم يسفر عن نتيجة وصبر مختلف الأطراف بات ينفد، فما كان منه إلا التأكيد على أنه سيفي بوعده، وزاد على ذلك بأن عهد المالكي لن يتكرر، وأن فرصة حزب الدعوة قد استهلكها المالكي.
وتتذكر هذا كله القيادات التي كانت تتشارك في هذا التوجه في التصدي لسياسات المالكي آنذاك، وتم إشعارها به مباشرة أو من خلال الرئيسين الطالباني والبارزاني. وفي أكثر من لقاءٍ آخر تطرق الحديث فيه إلى الأوضاع في العراق وما تريده الجمهورية الإسلامية في العراق ومن العراقيين، ستجد طريقها للنشر فيما يمكن أن تتضمنه مذكراتي إن رأيت فيها ما ينفع!
لم يكن بعض من يجتمعون حول طاولة الإطار التنسيقي اليوم ممن يجلسون حول طاولة التحالف الشيعي يوم ذاك، بل إن اكثرهم جدد تسللوا من الأذرع أو الانقسامات في التصنيفات الشيعية التي لا يجمعها جامع، ولهذا لا ينفع أن يدعي البعض منهم خلاف ما مر من وقائع.
وقد تنفع الإشارة إلى عشرات التأكيدات التي وردت على لسان السيد المالكي شخصياً في حوارات ولقاءات تلفزيونية وخطابات تُبث اليوم على أوسع نطاق، يدين فيها نفسه والقادة الآخرين، بل جميعهم دون استثناء، بالقول بأنهم ارتكبوا الخطايا بحق العراق والعراقيين، ولا يصلح أي أحد منهم للمشاركة في حكم البلاد!
إن المالكي محقٌ في تشبثه بالعودة إلى الحكم، إذ يرى في نفسه «كل مؤهلات الحكم» مقارنة بأقرانه في الإطار التنسيقي، وربما يشاركني الرأي في أن الإطار نفسه فاقدٌ للشرعية، كما هو رأيه الذي جاء في حديث مسرب من تعريض واتهام للحشد وقادته بالنهب والفساد والتنمر وكل ما لم يتجرأ ناقدٌ للحشد ومطالبٌ بحله بقوله أو كتابته.
إن طاولة الإطار التنسيقي عاريةٌ عن الشرعية، إذ يؤكد شرعية تمثيله للشيعة وإرادتهم، وبالتالي حقه في أن ينفرد بترسيخ من يتولى قيادة خرابتنا التي لم تعد لها أي أسس من توصيفات الدولة أو حتى شبه الدولة.
وكمحاولة لتأكيد هذه الشرعية، لا مانع لأطرافه من التخلي عن ثوابته، ونقل سلاحه من كتف إلى كتف، تماشياً مع ما يسترضي أي طرفٍ مهيمن يحفظ له سلطته وتنمره على العراقيين.
ويتمحور الصراع الذي يعتمد الممانعة والمقاومة والنصر المبين على الاستكبار العالمي، في هذه المرحلة، حول كيفية استرضاء ترامب من جهة، وما يستقوى به من شعاراتٍ تجردت من أي مضمون أو قيمة، ويبدو أنه بات يدور حول الأسلوب المناسب لإزاحة المالكي بأقل ما يحافظ على ماء وجوه تلطخت بخرائب العراق. وهي إذ تتدارك الخسارة لا تريد أن تتفهم أن الموقف من المالكي - وهو موقف وطني قبل أن يكون اشتراطاً خارجياً - لا يقتصر على رفض المالكي، وإنما على إنهاء تسلط منظومة يتجسد فيها كل ما انحدر إليه العراق من انهيار أخلاقي، ليس في السياسة ونظام الحكم بل كل ما يجسد قيم الحاكمين، نهجاً وسلوكاً وممارساتٍ ورذيلةً تفوح رائحتها حتى إنها أفسدت الهواء الذي نتنفس…
أما الدگة العشائرية التي تدور حول طاولة الإطار التنسيقي، فهي تكاد أن تتحول إلى فوبيا وطنية حول كل ما يؤشر عليه أو يحمله أو يبشر به الإطار وأعمدته الرخوة المتهالكة!
——
* العنوان مأخوذ عن رائعة صنع الله إبراهيم "تلك الرائحة"، التي جسدت انهيار المدينة العربية تحت وطأة الاستبداد، وما خلّفه من اغتراب وانكسار في الإنسان وعلاقته بالعالم من حوله.






