د. يوسف حمه صالح
تُعدّ دراسة الشخصية الوطنية من أكثر الموضوعات تعقيداً وإشكالية في علم النفس الاجتماعي والثقافي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمجتمع مرّ بتحولات تاريخية عنيفة، وصدمات سياسية واجتماعية متراكمة، كما هو الحال في المجتمع العراقي.
فالشخصية العراقية ليست نتاج عامل واحد، ولا نتيجة مسار تاريخي خطّي، بل هي حصيلة تفاعلات طويلة الأمد بين البنى الاجتماعية، والتحولات القسرية، والظروف النفسية الضاغطة التي عاشها الفرد العراقي عبر أجيال متعاقبة.
لقد جرت محاولات جادة ومهمة في الدراسات التي تناولت الشخصية العراقية غير أن كثيراً منها وقع – بقصد أو بغير قصد – في فخ التعميم أو الاختزال، عبر البحث عن سمات ثابتة أو أنماط نفسية يُفترض أنها تمثل “الشخصية العراقية” بوصفها كياناً واحداً متجانساً. والحال أن هذا الافتراض، من منظور علم النفس المعاصر، يتعارض مع فهم الشخصية بوصفها بنية ديناميكية، سياقية، ومتعددة المستويات.
من هنا تنبع أهمية هذا البحث، الذي لا يسعى إلى تقديم “تعريف” للشخصية العراقية، ولا إلى تعداد خصائصها، بل يهدف إلى الاقتراب من ملامحها غير المنظورة:
تلك الجوانب التي تتشكل في العمق النفسي للفرد، وتتجلى في السلوك، والوجدان، وآليات الدفاع، دون أن تكون قابلة للرصد المباشر أو القياس السريع.
هل يمكن الحديث عن ملامح نفسية غير منظورة في الشخصية العراقية دون الوقوع في التعميم أو الاختزال؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات الفرعية، منها:
1. ما حدود المقاربات الأكاديمية التقليدية في دراسة الشخصية العراقية؟
2. لماذا تعجز بعض المناهج الكمية والوصفية عن الكشف عن الجوانب العميقة والخفية للشخصية؟
3. ما طبيعة الملامح غير المنظورة؟ وهل هي سمات، أم عمليات نفسية، أم آليات تكيّف؟
4. كيف أسهم عنف التاريخ ، والإضطراب السياسيه، وعدم الاستقرار الاجتماعي في إنتاج هذه الملامح؟
5. ما الفرق بين “الملامح غير المنظورة” و“الخصائص أو الأنماط الشخصية” الشائعة في الأدبيات؟
نقد المقاربات الكلاسيكية في دراسة الشخصية العراقية:
أولاً: إشكالية البحث عن “نمط” في سياق غير نمطي: انطلقت أغلب الدراسات المبكرة حول الشخصية العراقية من افتراض ضمني مفاده أن هناك “نمطاً” نفسياً أو اجتماعياً يمكن استخلاصه، ووصفه، ثم تعميمه على الأفراد. هذا الافتراض، رغم وجاهته المنهجية في مجتمعات مستقرة نسبياً، يصبح إشكالياً حين يُطبَّق على مجتمع تعرّض لانقطاعات تاريخية حادة، وتحولات قسرية متتابعة، وصدَمات جمعية ممتدة عبر أجيال.
إن البحث عن نمط ثابت في الشخصية العراقية يشبه – من الناحية النفسية – محاولة قياس شكل سائل في وعاء متغير باستمرار. فالشخصية هنا لا تتبلور في إطار استقرار بنيوي، بل تتشكّل تحت ضغط التهديد، والتكيّف، وإعادة التكيّف.
ثانياً: مقاربة علي الوردي – الأهمية والحدود: لا يمكن لأي دراسة جادة عن الشخصية العراقية أن تتجاوز إسهام العالِم الكبير علي الوردي، ولا سيما تحليله القائم على ثنائية البداوة والحضارة وما نتج عنها من مفهوم الازدواجية في الشخصية العراقية. وقد تميّز طرح الوردي بجرأة فكرية، ووعي اجتماعي مبكر بطبيعة التناقض القيمي والسلوكي في المجتمع العراقي.
إلا أن هذه المقاربة، على أهميتها، تواجه عدة حدود علمية ونفسية، من أبرزها:
1 -لتفسير البنيوي الخارجي:
حيث ركّزت المقاربة على البنى الاجتماعية والتاريخية، أكثر من تركيزها على العمليات النفسية الداخلية للفرد.
2 -إعادة إنتاج الثنائية:
إن اختزال التناقض النفسي في ثنائية (بدوي/حضري) قد يفسر بعض السلوكيات، لكنه يعجز عن تفسير التقلّبات الوجدانية، والتناقضات الداخلية، وآليات الدفاع النفسية.
3ـالتحول التاريخي؛
ما صلُح تفسيرياً لمرحلة تاريخية معينة، لا يمكن نقله تلقائياً إلى أجيال لاحقة عاشت الحروب، والحصار، والانهيار القيمي، و الفساد و الطائفية والعنف المعمّم.
4 - إغفال الصدمة النفسية الجمعية؛
لم تكن مفاهيم الصدمة، واضطراب ما بعد الصدمة الجمعي، وآليات التكيّف القهري، حاضرة في زمن الوردي كما هي اليوم.
وعليه، فإن نقد هذه المقاربة لا يعني نفيها، بل وضعها في سياقها التاريخي والمعرفي، والاعتراف بحدودها التفسيرية.
ثالثاً: مأزق التعميم في الدراسات الحديثة:
وقعت كثير من الدراسات اللاحقة – رغم اعتمادها أدوات إحصائية أكثر تطوراً – في مأزق آخر، يتمثل في:
•تعميم نتائج عينات محدودة على مجتمع متشظٍ.
•الخلط بين السلوك الظاهر والبنية النفسية العميقة.
•افتراض أن التكرار السلوكي يعني ثباتاً نفسياً.
وهنا يغيب سؤال جوهري:
هل ما نرصده من سلوك هو تعبير عن “شخصية”، أم عن “استجابة ظرفية قسرية”؟
الملامح غير المنظورة في الشخصية العراقية: مقاربة نفسية عميقة
أولاً: مفهوم “الملامح غير المنظورة”؛
لا يُقصد بالملامح غير المنظورة سمات شخصية ثابتة، ولا خصائص قابلة للقياس المباشر، بل يُقصد بها:
عمليات نفسية داخلية، وآليات تكيّف، وبُنى وجدانية خفية، تتشكل تحت ضغط التاريخ، والخوف، وعدم اليقين، وتنعكس في السلوك دون أن تكون مرئية بوضوح.
إنها ملامح:
•غير مستقرة
•متناقضة أحياناً
•تتبدّل حسب السياق
•قد تتعايش داخل الفرد الواحد بصورة متضادة
ثانياً: أمثلة للملامح غير المنظورة (دون تعميم)
من بين هذه الملامح – بوصفها عمليات لا خصائص – يمكن الإشارة إلى:
1. التكيّف الدفاعي المفرط:
حيث يطوّر الفرد استجابات نفسية هدفها البقاء، لا الانسجام الداخلي.
2. الازدواج الوجداني:
ليس بوصفه تناقضاً أخلاقياً، بل كآلية نفسية لحماية الذات من الانهيار.
3. الشك الوجودي الصامت:
شعور داخلي بعدم اليقين، لا يُصرّح به، لكنه يوجّه القرارات والسلوك.
4. المرونة القسرية:
قدرة على التكيّف السريع، لكنها غالباً على حساب الاستقرار النفسي و الصحة العقلية .
5.لذاكرة الصدمية الكامنة:
أحداث لم تُعالج نفسياً، لكنها حاضرة في اللاوعي الفردي والجمعي.
هذه ليست “صفات عراقية”، بل نتائج نفسية محتملة لسياق قاسٍ، و قد يعاني منها مجتمع آخر مرّ بظروف مقاربة.
ثالثاً: لماذا تعجز المناهج التقليدية عن كشف هذه الملامح؟
لأن هذه الملامح:
•لا تظهر في الاستبيانات المباشرة.
•تتخفّى خلف الأقنعة الاجتماعية.
•تتغير بتغير السياق الأمني والسياسي.
•لا تُقال، بل تُعاش.
ومن هنا، فإن قياسها رقمياً قد يؤدي إلى تشويهها بدل فهمها.
إن الشخصية العراقية، إن جاز استخدام المصطلح،
ليست وحدة متماسكة،
ولا نمطاً مستقراً،
ولا مجموعة خصائص مشتركة،
بل هي حقل نفسي مفتوح،
تتقاطع فيه المشتتات،
وتتنازع فيه الهويات،
وتتخفّى فيه الملامح أكثر مما تظهر.
خلص هذا المقال البحثي النوعي( غير الكمي) إلى أن ما يُصطلح عليه بـ “الشخصية العراقية” لا يمكن مقاربته بوصفه بنية نفسية متجانسة، ولا نمطاً ثابتاً، ولا مجموعة خصائص مشتركة قابلة للتعميم، بل هو مفهوم إشكالي مركّب، تتداخل فيه العوامل التاريخية، والاجتماعية، والسياسية، والنفسية، على نحو يجعل أي محاولة للاختزال أو التصنيف الصارم ضرباً من التبسيط المخلّ علمياً.
لقد بيّن الباحث ، أن المقاربات الكلاسيكية، رغم قيمتها التأسيسية، عانت من محدودية منهجية تمثلت في اعتمادها على ثنائيات تفسيرية، أو افتراض وجود سمات عامة، دون الالتفات الكافي إلى العمليات النفسية العميقة، ولا سيما تلك الناتجة عن الصدمة الجمعية، وعدم الاستقرار الوجودي، والتكيّف القسري المستمر. كما أظهر أن كثيراً مما يُنسب إلى “طبيعة الشخصية العراقية” ليس سوى استجابات نفسية ظرفية لسياقات قاهرة، أُعيد إنتاجها عبر الزمن حتى بدت وكأنها خصائص أصيلة مُتأصلة.
وقد إقترحَ البحث مفهوماً بديلاً يتمثل في الملامح غير المنظورة، بوصفها عمليات دينامية خفية، لا تُقاس مباشرة، ولا تظهر دائماً في السلوك الظاهر، لكنها تؤثر بعمق في أنماط التفكير، والانفعال، واتخاذ القرار. هذه الملامح ليست صفات وطنية، بل نتاج تفاعل معقّد بين الفرد وسياقه الإجتماعي الظرفي، وهي قابلة للتحوّل بتغيّر الشروط النفسية والاجتماعية.
وعليه، فإن الحديث العلمي الرصين عن الشخصية العراقية لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: ما هي؟ بل من سؤال أكثر عمقاً: كيف تتشكّل؟ وتحت أي شروط؟ وبأي تداعيات نفسية؟










