طالب عبد العزيز
إذا كان الفدرالي الأمريكي هو المتحكم بأموال العراق من مبيعاته النفطية الى أمد غير معلوم فالبلاد بحكم المريض بالخنق، المحجوب عنه الهواء، وهذا المغذِّي المعلق عند سرير الحكومي قابل للسحب في أيِّ لحظة، ترى هل فكرت الدولة العراقية بتعظيم وارداتها المالية في أكثر من جانب متاح؟ أم أنها تكتفي بفرض المزيد من الضرائب على المواطن البسيط، الذي يعاني من شحٍّ في مدخوله، فضلاً عن معاناته في تأمين مفاصل حياته في التعليم والصحة والكهرباء والماء والخدمات الأخرى؟
ضمن واقع الحال الذي يعرفه الجميع نجدُ أنَّ تفعيل قطاع السياحة الداخلية والخارجية يمكن أن يكون رافداً هامَّاً، فالبلاد على سعتها وتنوع التضاريس والمقاصد السياحية(طبيعية-دينية- تاريخية..) فيها يمكن لها أن ترفد الاقتصاد العراقي بالمال المشروع، لكنَّ السياحة بحاجة الى وضع أمني مستقر، وجملة خدمات، وشعب يتمتع بروح سياحية، ولله الحمد أثبت العراقيون أنهم مضيافون، وهذا ما يشاهده العالم في مواسم الزيارات الدينية والألعاب الدولية، وربما تجدُّ الحكومة قدرتها في تحقيق جملة الخدمات، وهو أمر ممكن أيضاً، لكنَّ قضية استقرار الامن تظل العقبة الكأداء بوجه الامل المرجو من ذلك.
ولتحقيق الأمن العام في أي مجتمع لن تكون القبضة الحديدية حاسمة-على أهميتها- إنّما تُستدعى هنا قضية المصالحة المجتمعية، هل نملك شعباً متصالحاً؟ بالتأكيد لا. فقد أسست الكتل السياسية عبر أحزابها الدينية المسلحة نمطاً حياتياً قائماً على القوة والتهديد بها في أيِّ منازلة، وارتبطت مصالحها ومشاريعها الاقتصادية واستحواذها على المال ارتباطاً وثيقاً بالبندقية، حتى صار المواطن البسيط يجدُ تأمين راتبه وحاجاته الى المال عبر الانتماء الى الأحزاب هذه، وبذلك اتسعت رقعة السلاح بتزايد عدد المنتمين الى الأحزاب والمستوظفين عبرها في المؤسسات الحكومية، ويزيد الصورة تعقيداً أنَّ هؤلاء اُلزموا بالولاء للأحزاب هذه، واعتماد أفكارها كمنهج حياتي، فهم مسلحون ومتشددون دينياً، وموتورون من الاخر، أي آخر.
قد لا تحتاج السياحة الدينية الى المزيد من العناية في تقديم الخدمات، فالسائح هنا يمشي بخط مستقيم باتجاه مقصده المرسوم، وبذلك فهو قد لا يكون معنياً بالآثار والاهوار والجبال والصحراء والمدن الحديثة لكنَّ السائح العام والمصطاف المرجو يجد ضالته في المدينة، بكل مفاصلها(مقهى، سوق، مسرح، سينما، نادي، فندق، رصيف، بحر، ..) عبر تجوال يوميٍّ، مخطط له، ومرسوم في خريطة سياحية، وهذا يتطلب وسائط نقل، وخطوط اتصال آمنة، وتحويل مالي مضمون، فضلاً عن جمال صورة المدينة التي يقصدها، وبمعنى ما فأنَّ السياحة بحاجة الى مدن نظيفة، قليلة التلوث، والتلوث لا يعني أن يجد السائح قناني الأوكسجين مطروحة على الشارع؛ إنما التلوث البصري والسمعي، ومدننا بحاجة الى عناية مضاعفة لتبدو مقبولةً في أذن وعين السائح.
نرى بأنَّ معاينة المدن الآمنة، ذات الشعب المتصالح والمتسامح تُعاين عبر شوارعها، والصور المرفوعة، في ساحاتها، وتقاطعاتها، وفي يافطات الإعلانات، والعلامات التجارية، وعبر الصورة المُشاهَدة في الشاشات الكبيرة، وفي ما يسمعه العابر، والمستطرق، من أصوات في مذياع المقهى، وبائع الفاكهة، وغيرها وكل ذلك علامات جذب واستقطباب، وهذا كله لا يتحقق إلا في شعب ألزم نفسه بالتخلي عن كل مظاهر التحدي بالبندقية. وعودٌ على بدء؛ ترى كيف يمكن تحقيق ذلك؟ فالأمر لا يكمن في تشدد المواطن حسب، إنما في قدرة الحكومة على انتزاع فتيل التشدد من قلبه، وهذه الخطى وأن كانت صعبة لكننا نملك شعباً سهل القياد، وإن كانت الصورة غير ذلك. شعبنا يملك روح الدعابة، والضيافة، والترحيب بالاخر، لكنه بحاجة الى ضمان، وطمأنة على تأمين مفردات حياته، وحمايته من الإذلال الجسدي والنفسي، فضلاً عن حاجته الى القوانين التي توجهه الوجه الصحيحة.
اعتماد قطاع السياحة -وهو الاسهل -في تعظيم المال عند الحكومة يفتح الأبواب مشرعة أمام قطاعات أخر، مثل الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها وكلها لن تكون بحاجة الى المرور عبر الفدرالي الأمريكي فهل من مصغ ومستمع وعامل؟










