TOP

جريدة المدى > عام > في روايته "الجسد": ديفيد زالاي يُحطّم أوهام شاب مجري هاجر إلى الغرب

في روايته "الجسد": ديفيد زالاي يُحطّم أوهام شاب مجري هاجر إلى الغرب

نشر في: 18 فبراير, 2026: 12:01 ص

ترجمة :عدوية الهلالي
من خلال صعود وسقوط شاب مجري هاجر إلى إنجلترا في العقد الأول من الألفية الثانية، يُقدّم الكاتب البريطاني روايةً عميقة عن عجز رجل عن إيجاد مكانه في العالم الغربي الحديث.وهي رواية تشويق جريئة، قاتمة، وجريئة تتناول سراب العولمة.
حظيت رواية "الجسد" للكاتب البريطاني من أصل مجري، ديفيد زالاي، بإشادةٍ واسعة منذ نشرها في فرنسا مطلع كانون الثاني من قِبل دار ألبان ميشيل، وبرزت كأبرز عمل أدبي في هذه البداية الباهتة نوعًا ما لهذا العام. فبعد فوزه بجائزة البوكر المرموقة لعام 2025، وصفه البعض بأنه الوريث الروحي لميشيل ويلبيك. وهو تأثير أقرّ به زالاي مؤخرًا في مجلة "لو غران كونتان"، مُشيرًا إلى أنه "لن يتفاجأ إذا كان ويلبيك قد أثّر فيه».، فالأوجه التشابهية حقيقية بالفعل. وفي هذا السياق، تشبه شخصية الرواية الرئيسية، إستفان، الشاب الخجول الذي نتابع حياته ومغامراته الجنسية على مدى أربعين عامًا، في نواحٍ عديدة، المنبوذين الذين يملؤون صفحات روايات ويلبيك الباريسية، إذ يبدو مساره، ببعده المأساوي، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتأمل لاذع في تفكك المثل الأوروبي للتقدم، الذي حطمته جاذبية العولمة.
تجري أحداث الرواية في المجر في ما بعد الحقبة السوفيتية ، حيث نشأ إستفان وحيدًا مع والدته في أجواء كئيبة في مبنى سكني متهالك على مشارف مدينة بيتش. وفي الخامسة عشرة من عمره، اكتشف ميوله الجنسية بين ذراعي جارة سيئة،وهي امرأة متزوجة في الأربعينيات من عمرها، وكافح لصدّ محاولاتها للتقرب منه. لكن العلاقة انتهت فجأة بعد حادث أدى به إلى مركز احتجاز الأحداث. وبعد إطلاق سراحه، ودون شهادة أو هدف في الحياة، انضم إستفان إلى الجيش. وبعد عودته من العراق بخمس سنوات، كافح من أجل لقمة العيش من خلال تجارة المخدرات حتى رحل إلى إنجلترا، مقتنعًا بأن مستقبله يكمن في الغرب، كما هو حال العديد من رفاقه. عمل في البداية حارسًا في نادٍ ليلي، ثم أصبح سائقًا وحارسًا شخصيًا لعائلة ثرية في لندن. وهكذا بدأت رحلة تحوّل داخلي تدريجي قادته إلى قمة الهرم الاجتماعي قبل أن يُسقطه حدث غير متوقع...
لنقل منذ البداية أن إحدى نقاط قوة الكتاب تكمن في أسلوب السرد الذي اختاره الكاتب لسرد رحلة رجل اضطر إلى التخلي عن ذاته ليحقق النجاح. ويعتمد سرد الأحداث المحورية في حياته، من المراهقة وحتى الخمسينيات من عمره، بشكل أساسي على أحاسيسه ومشاعره ودوافعه، أكثر بكثير من اعتماده على مضمون أحاديثه الموجزة مع المقربين منه. انها عملية تُركز على كل ما يتعلق بـ"جانبه المادي، وجسده، وما كان يمر به". وقد يكون فهم ذلك مُربكًا في البداية، لكنه يُرسّخ تدريجيًا ألفةً أعمق معه، مما يسمح لنا بالشعور بالضياع الذي انتابه عند اقتلاعه من جذوره عند وصوله إلى إنجلترا، أو تطوره النفسي الذي اتسم بسلسلة من التجاوزات، بينما يبقى بالنسبة للمقربين منه شخصًا غامضًا. مُختبئًا وراء عباراته المتكررة "لا بأس!" و"كل شيء على ما يُرام" .
ويجدي هذا الأسلوب نفعًا كبيرًا في وصف الأحداث التي تؤثر فيه، لا سيما علاقته بالجنس والتسلسل الهرمي الاجتماعي، بأسلوبٍ سلسٍ واقتصادٍ لغويٍّ فعّال. فعلى سبيل المثال، عندما يروي بدايات علاقته مع هيلين، زوجة الملياردير الذي يعمل سائقًا لديه: "لا شك أن العلاقة الحميمة كانت شديدة ومثيرة. ويرجع ذلك جزئيًا، كما يتأمل، إلى شعوره بالذنب، وشعوره بأنه لا ينبغي لهما فعل ذلك. وهو شعورٌ يتفاقم، على أي حال، لأنه في قرارة نفسه لا يجدها جذابة، ولا يرغب حتى في اقامة علاقة معها." أو عندما يُعبّر لاحقًا عن شعوره بالإهانة بسبب وضعه كمهاجر متزوج من ربة عمله الثرية: "معظم صديقات هيلين ، عندما يبذلن جهدًا مع إستفان، يُبالغن في التفكير لدرجة أنهن يُصبحن مُحتقرات ومنافقات" .ويبقى إستفان لغزًا حتى لأقرب الناس إليه، لكن بالنسبة للقارئ، تبدأ شخصية بالظهور، مُحطّمة بصراعات داخلية لم تُحلّ، لا يُمكن لتأثير النشوة المادية المُهدئ أن يُخمدها.
وهكذا تتكشف الأحداث، مُحافظةً على قدرٍ من التشويق في هذا الصعود الاجتماعي الموصوف في لوحاتٍ متتالية، والذي يحمل في طياته قلقًا خفيًا، يُنذر بسقوطٍ حتمي. ويُتيح هذا لـ"زالاي" فرصةً لتصوير، بلمسةٍ من الشراسة، سراب النجاح الغربي لجميع الغرباء من أوروبا الشرقية الذين تحطمت حياتهم على أسوار إنجلترا ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي بدأت تُحصّن نفسها. فعلى الرغم من جهوده، يبقى إستفان غريبًا في نظر طبقةٍ مُنغلقة على نفسها، يزدهر ازدهارها في دورةٍ مُستمرة، مُقاومة لأي تأثيرٍ خارجي، والتي سيُطرد منها في نهاية المطاف. بهذا المعنى، تجسد شخصية توماس، ابن هيلين والوريث الشرعي الوحيد لإمبراطورية العائلة، التحديات التي يقف إستفان عاجزًا أمامها.
لكن نهاية الرواية تقدم تفسيرًا أقل قتامة مما تبدو عليه في البداية. فبينما يصبح سقوط إستفان حتميًا، إلا أنه سيؤدي دورًا غير متوقع فيها، بل دورًا منقذًا، إن صح التعبير. وكأنه يُظهر، بعيدًا عن الآثار المدمرة لأفعاله على وضعه المالي، أن أهم ما في هذه الفوضى الظاهرية يكمن في مكان آخر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

قوة العمر و المدوّنة الجمالية

ذاكرة ثقافية..جماعة "الواق واق" وجماعة "الوقت الضائع"

عالمة الأنثروبولي ماركريت ميد

موسيقى الاحد: سيمفونية مالر الثالثة في بودابست

مسرح التّفاهة

مقالات ذات صلة

الجذر العميق الذي يستمد منها المبدع مادته الإبداعية
عام

الجذر العميق الذي يستمد منها المبدع مادته الإبداعية

علاء المفرجي تُعَدُّ النشأة الأولى المرحلةَ الأساسية في تكوين شخصية الإنسان عامةً، والأديب أو الفنان خاصةً؛ إذ فيها تتشكل ملامح روحه، وتتحدد اتجاهاته الفكرية، وتتكون مشاعره الأولى تجاه العالم من حوله. فالطفولة ليست مجرد...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram