يسري الخطيب
ليست رواية الرجل الذي عاش تحت الأرض مجرد حكاية عن رجل مطارد أو متهم ظلمًا، بل نصٌّ كاشف، عنيف في صدقه، يعرّي المجتمع الحديث من أقنعته الأخلاقية، ويضع القارئ أمام سؤال وجودي مربك:
أين يعيش الإنسان حرًّا حقًا… فوق الأرض أم تحتها؟
كتب ريتشارد رايت هذه الرواية عام 1942، لكنها لم تُنشر كاملة إلا عام 2021، بعد أن حُذفت منها أجزاء واسعة لعقود طويلة.
لم يكن الحذف بسبب ضعف فني أو جرأة لغوية، بل لأن الرواية أصابت جوهر النظام الاجتماعي والسياسي في مقتل، وكشفت ما لم يكن مقبولًا الاعتراف به.
تبدأ الرواية باتهام فريد دانيلز، الرجل الأسود الفقير، بجريمة قتل لم يرتكبها. لا تحاول الشرطة الوصول إلى الحقيقة، بل إلى اعترافٍ جاهز. التعذيب ليس وسيلة استثنائية، بل ممارسة طبيعية داخل منظومة لا ترى في الضحية إنسانًا. أثناء محاولة الهرب، يسقط فريد في فتحة مجارٍ، لينفصل عن العالم الذي فوق الأرض، ويدخل فضاءً آخر: العالم السفلي. هناك، تبدأ الرحلة الحقيقية، لا بوصفها هروبًا جسديًا، بل انكشافًا فكريًا وأخلاقيًا.
العنصرية بوصفها نظامًا لا يتعامل رايت مع الظلم كحادثة فردية، بل كبنية مؤسسية. الشرطة في الرواية رمز للسلطة العمياء، التي تحمي النظام لا العدالة، وتبحث عن الاستقرار ولو على حساب الحقيقة. فريد لا يُعامل كمواطن، ولا حتى كمذنب، بل كجسد صالح للكسر. تحت الأرض: الحقيقة بلا أقنعة العالم السفلي ليس مكانًا مظلمًا أخلاقيًا، بل مساحة للوعي الصافي. هناك، تختفي القوانين والأدوار الاجتماعية، ويبدأ فريد في رؤية المجتمع من الخارج. المفارقة القاسية التي يصوغها رايت: فوق الأرض: قوانين + قمع
تحت الأرض: فوضى + حرية
كأن النظام الاجتماعي نفسه هو السجن الحقيقي.
المال وفضيحة القيم حين يسرق فريد المال والمجوهرات، يكتشف خواء فكرة الملكية.
المال يفقد معناه في غياب المجتمع، ويتحول إلى أوراق بلا قيمة. هنا يفضح رايت الأساس الوهمي للقيم الرأسمالية، ويؤكد أن القيمة ليست حقيقة مطلقة، بل اتفاقًا اجتماعيًا مفروضًا.
العزلة بوصفها وعيًا العزلة لا تحطم فريد، بل تمنحه بصيرة حادة. يدرك أن المجتمع كله يعيش داخل سجن غير مرئي، وأن الفرق الوحيد بينه وبين الآخرين، أنه أصبح واعيًا بجدران هذا السجن. مأساة النهاية حين يعود فريد إلى السطح، لا يستطيع التعايش مع الكذب الجمعي. يُنظر إليه كمجنون، لا كمن امتلك وعيًا خطرًا. وهنا يطلق رايت حكمه الوجودي القاسي:
من يرى الحقيقة كاملة، لا مكان له في العالم.
يعتمد رايت على بناء رمزي كثيف:
العالم تحت الأرض: فضاء وعي، لا فضاء هروب. الشرطة: القانون حين يتحول إلى أداة قمع.
المال: زيف القيم الاجتماعية. الصعود إلى السطح: عودة إلى الوهم لا إلى الخلاص.
بهذا، تتحول الرواية إلى نص فلسفي يفضح البنية العميقة للمجتمع، لا مظاهره فقط.
تتقاطع الرواية مع أعمال عديدة: مع "المسخ" لكافكا في الاغتراب والنبذ بعد انكشاف الحقيقة.
مع أدب السجون العربي عند صنع الله إبراهيم وعبد الرحمن منيف، حيث يتحول القمع إلى نظام يومي لا استثناء.
ومع الروايات الوجودية التي ترى المجتمع ككيان يلفظ من يرفض التواطؤ معه.
خصوصية رايت أنه لم يفصل الوجودي عن السياسي، ولا الفلسفة عن الواقع العنصري، بل صهرها في نص واحد بلا شعارات.
رواية " الرجل الذي عاش تحت الارض " يمكن القول انها من أخطر النصوص التي جمعت بين الأدب السياسي والفلسفة الوجودية. سبقت عصرها، ولهذا حُجبت وشُوّهت طويلًا. لا تدين الظلم فقط، بل تكشف حاجة المجتمع الدائمة إلى "مذنب" ليحافظ على توازنه الزائف.
ريتشارد رايت (1908–1960) كاتب أمريكي من أصول أفريقية، وُلد في ولاية ميسيسيبي، ويُعد من أبرز الأصوات الأدبية التي واجهت العنصرية في الولايات المتحدة. جمع بين السرد والنقد الاجتماعي والفلسفة، وترك أثرًا إنسانيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان
الرواية والآن
ما يجعل الرجل الذي عاش تحت الأرض رواية حيّة اليوم، هو أن عالمها لم يصبح ماضيًا. فالشرطة التي تبحث عن اعتراف لا عن حقيقة، والقانون الذي يُستخدم أحيانًا لتبرير القمع، والمجتمع الذي يشيطن المختلف لا لأنه مخطئ، بل لأنه يرى أكثر مما ينبغي…
كل ذلك لا يزال قائمًا، بأشكال جديدة وأسماء مختلفة. في عالم اليوم، لم نعد نحتاج إلى مجارٍ كي نعيش "تحت الأرض" . يكفي أن نخرج عن السردية السائدة، أو نشكك في المسلّمات، أو نرفض أن نكون شهود زور.
تقول لنا الرواية بوضوح مؤلم: الوعي ليس نعمة دائمًا، والحقيقة ليست طريقًا إلى الخلاص، بل قد تكون طريقًا إلى العزلة والإقصاء.
الرجل الذي عاش تحت الأرض ليست قصة عن رجل سقط في القاع، بل عن مجتمعات بأكملها تعيش فوقه، وتخشى أن تنظر تحته.
إنها رواية تذكّرنا بأن المشكلة ليست في الجريمة، ولا في الخارج عن النظام، بل في نظامٍ لا يستقيم إلا بوجود ضحية.
"الرجل الذي عاش تحت الأرض" والوجودية الادبية

نشر في: 18 فبراير, 2026: 12:02 ص









