TOP

جريدة المدى > سياسية > الشباب العراقيون يعزفون عن القطاع الخاص: بلا ضمانات!

الشباب العراقيون يعزفون عن القطاع الخاص: بلا ضمانات!

فجوة واضحة بين الإحصاءات الحكومية وتجارب الخريجين

نشر في: 18 فبراير, 2026: 12:04 ص

بغداد / المدى
رغم مؤشرات رسمية تُظهر تراجع معدل البطالة في العراق إلى نحو 13%، لا يزال قطاع واسع من الشباب يواجه صعوبات في الحصول على وظائف مستقرة، لا سيما في القطاع الخاص، وسط فجوة واضحة بين الإحصاءات الحكومية وتجارب الخريجين على أرض الواقع.
وتشير بيانات وزارة التخطيط العراقية إلى انخفاض معدل البطالة العام بعد أن كان عند مستويات أعلى في السنوات الماضية، في ظل حديث حكومي عن دعم المشاريع الصغيرة وتنشيط القطاع الخاص. إلا أن هذا التحسن النسبي لا ينعكس بصورة ملموسة على شريحة واسعة من الشباب الذين يرون أن الوظيفة الحكومية تبقى الخيار الأكثر أمانًا من حيث الاستقرار والضمانات.
يؤكد عدد من الخريجين أن العمل في القطاع الخاص ينطوي على مخاطر مهنية، ورواتب محدودة، وأحيانًا فترات اختبار غير مدفوعة الأجر، مقارنة بالوظيفة الحكومية التي توفر راتبًا ثابتًا وضمانات اجتماعية.
علياء، 26 عامًا، خريجة تحليلات مرضية، تقول لـ«المدى»: «قدمت على عشرات الوظائف في شركات خاصة، لكن الشركات تطلب خبرة طويلة مقابل راتب لا يغطي حتى أجور النقل، ولا ضمانات تُقدم في العمل بالعقد، وحتى المهام ممكن أن أُكلف بمهام أخرى فوق عملي الأساسي والراتب ثابت».
وينص قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 على ضرورة تحديد طبيعة العمل والأجر وساعات الدوام في عقد مكتوب، مع ضمان الحقوق الأساسية للعامل، ما يجعل غياب العقد الواضح أو تحميل العامل مهام إضافية خارج الوصف الوظيفي مخالفة صريحة للنص القانوني.
علي، 28 عامًا، مهندس حاسبات، يوضح: «العمل في القطاع الخاص يعني ساعات طويلة دون ضمانات. أغلب العمل المتاح هو في مطاعم ومقاهي، وإذا قدمت على شركة تطلب سيرة ذاتية بخبرة أكثر من سنتين دون التفكير حتى بفترة اختبار مدفوعة».
ويحدد القانون ذاته سقف ساعات العمل اليومية بثماني ساعات، مع أجر إضافي للساعات الإضافية، ويلزم أصحاب العمل باحترام شروط التعاقد وعدم تشغيل العامل خارج الوصف الوظيفي المتفق عليه.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي دريد العنزي، في حديثه لـ«المدى»، أن المشكلة تتجاوز الأرقام الرسمية، وترتبط بغياب رؤية تنموية تستوعب الطاقات الشابة. ويشير إلى أن العراق يمتلك نسبة شباب مرتفعة تمثل قوة عمل احتياطية لأي مشروع نهضوي، إلا أن هذه الطاقة، بحسب وصفه، لا تجد سياسات واضحة توجهها نحو قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل واسعة.
ويضيف أن النظريات التنموية الحديثة تركز على الصناعات الصغيرة والمتوسطة بوصفها أداة لامتصاص البطالة، لافتًا إلى تجارب إقليمية اعتمدت الإنتاج المنزلي المنظم في مجالات النسيج والملابس، ونجحت في تغطية احتياجات السوق المحلية وتقليل الاستيراد.
ويشير إلى أن السوق العراقية تستهلك سنويًا ملايين الوحدات من السلع البسيطة، مثل الجوارب والأحذية والملابس، وهي منتجات يمكن تصنيعها محليًا بكلف أقل من المستورد إذا ما توفرت دراسات جدوى حقيقية ودعم لوجستي وتمويلي مناسب.
كما ينتقد غياب الدراسات التطبيقية لتطوير القطاع الخاص، متسائلًا عن جدوى اللجان والخبراء في ظل استمرار الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، حتى في المنتجات ذات الطلب الواسع التي يمكن تصنيعها داخليًا.
ويؤكد أن المشاريع الصغيرة لا تمثل حلًا مؤقتًا فحسب، بل يمكن أن تكون مدخلًا لتأسيس صناعات أكبر إذا ما أُدرجت ضمن استراتيجية اقتصادية متكاملة تقوم على إحلال الواردات وتشجيع الإنتاج الوطني.
ويلفت إلى أن ضعف الاهتمام بالمواهب الشابة، سواء في المجال الرياضي أو العلمي، يعكس خللًا في أولويات السياسات العامة، مشيرًا إلى أن الاستثمار في الشباب لا يقتصر على التعيين الحكومي، بل يتطلب بيئة اقتصادية حاضنة للمبادرات الفردية.
ويرى أن غياب الثقة بالقطاع الخاص يرتبط بعدم الاستقرار التشريعي وضعف الحماية القانونية للعاملين، ما يدفع الشباب إلى تفضيل الوظيفة الحكومية ذات الراتب الثابت والتقاعد المضمون، حتى وإن كانت أقل إنتاجية.
بدوره، يقول الناشط المدني علي مفتن لـ«المدى»: «الشباب لديهم تردد كبير تجاه العمل في القطاع الخاص بسبب قلة الأمان الوظيفي. أغلب الوظائف بعقود مؤقتة، ورواتب قليلة أو متأخرة، ولا يوجد ضمان صحي أو تقاعد. الشاب قد يعمل سنوات، وفي أي لحظة يخسر عمله من دون حقوق واضحة».
ويضيف: «الشاب يفكر في مستقبله، كيف يؤمن حياته ويكوّن عائلة، ولهذا يرى الوظيفة الحكومية أكثر أمانًا حتى لو كان راتبها أقل، لأنها توفر استقرارًا وحقوقًا أوضح».
ويختتم بالقول إن «الوظيفة الحكومية في العراق ترتبط بنظام رواتب ثابت وتقاعد مضمون وفق قوانين الخدمة المدنية، ما يمنحها أفضلية في الاستقرار مقارنة بعقود القطاع الخاص قصيرة الأمد».
في المقابل، يشير مختصون إلى أن بعض أماكن العمل تخالف قانون العمل عبر تشغيل الشباب لأكثر من ثماني ساعات يوميًا بأجور منخفضة، من دون تعويض أو التزام قانوني، في ظل ضعف الرقابة أحيانًا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

مقالات ذات صلة

الكرد ينتظرون اتفاق «الإطار».. المالكي مرشح وحيد لكن الحسم معلق
سياسية

الكرد ينتظرون اتفاق «الإطار».. المالكي مرشح وحيد لكن الحسم معلق

بغداد/ تميم الحسن ما تزال "المياه راكدة" داخل "الإطار التنسيقي" قبل ساعات من اجتماع مرتقب يوصف بأنه "حاسم" بشأن تشكيل الحكومة. وينفي التحالف الشيعي مسؤوليته عن الانسداد، ملقياً باللوم على القوى الكردية، وهو ما...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram