واسط / جبار بچاي
ذكر متخصصون بالآثار والتراث أن ما تم الكشف عنه مؤخرًا في منطقة الكرمشية بقضاء بدرة من كهاريز، بالرغم من أهميته البالغة كأحد وسائل هندسة الري القديمة، إلا أنها تختلف من حيث آلية عملها وموقعها، والتي استمرت بالاستعمال حتى فترات متأخرة، وألمحوا إلى وجود كهاريز حقيقية في أماكن أخرى ضمن القضاء، لكنها تقع في مناطق مأهولة بالألغام والمخلفات الحربية، ما يتعذر الوصول إليها، مؤكدين وجود كهاريز تراثية تم اكتشافها في منطقة الطيب بمحافظة ميسان يصل عددها إلى 400 كهريزًا.
وأعلنت مفتشية آثار وتراث واسط مطلع الشهر الحالي أن ملاكاتها نجحت في الكشف عن منظومة ري أثرية متكاملة تضم سدًا ومجموعة من الكهاريز في منطقة الكرمشية بقضاء بدرة، وذلك بالتعاون مع جهاز المخابرات الوطني العراقي.
ووفق بيان نشرته حينها وزارة الثقافة، فإن تلك الاكتشافات تُعد إضافة نوعية للسجل الأثري لمحافظة واسط، ويأتي العثور عليها في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى حماية وتوثيق المواقع الأثرية في المحافظة.
يقول المنقب الآثاري برهان عبد الرضا راضي السراي إن «ما أشيع بشأن الكشف عن كهاريز ونظم ري قديمة في قضاء بدرة صحيح من حيث المبدأ، لكن شكل تلك الكهاريز وطريقة البناء يدلان على أنها تعود لفترات زمنية ليست بعيدة، ما يقلل من أهميتها».
وأضاف «هناك الكثير من المواقع الأثرية غير المكتشفة في قضاء بدرة، ومنها كهاريز موجودة فعلاً، لكنها تقع في مناطق مأهولة بالألغام والمخلفات الحربية، ما يجعل الوصول إليها صعبًا دون تطهير المنطقة من الألغام».
وقال السراي إن «فريقًا من الهيئة نجح في وقت سابق بالكشف عن مجموعة كهاريز ونظم ري قديمة في منطقة الطيب بمحافظة ميسان، حيث عمل الفريق تحت إشراف ومتابعة رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث السيد علي عبيد شلغم، وبعد إجراء عمليات المسح توصل إلى مجموعة من الكهاريز يرجع تاريخها إلى أوائل الألف الأول الميلادي، تمثل مصدرًا دائمًا للمياه للمدن والمستوطنات في العراق القديم».
موضحًا أن «السلسلة المكتشفة في الطيب ضمت أكثر من 400 بئرًا شاقوليًا بخطوط مستقيمة ومتوازية بقطر 6–7 م، تتصل جميعها من الأسفل بقنوات محفورة، وتنتشر على جانبي نهر الطيب ضمن الشريط الحدودي مع إيران، وتتركز النسبة الأكبر منها في الجانب الشرقي من النهر».
من جانبه يقول رئيس فريق المسح والتحري، المنقب الآثاري أحمد عبد الجبار خماس «عملنا على رأس فريق من المختصين بإجراء مسح دقيق لمنطقة الطيب، حيث تم اكتشاف مجموعة كبيرة من الكهاريز المتصلة مع بعضها، وبلغ عددها أكثر من 400 كهريزًا».
وأضاف «تتميز سلسلة كهاريز الطيب بكونها السلسلة الأكبر والأكثر وضوحًا حتى الآن في مناطق خارج إقليم كردستان، ويمكن اعتبارها الكهاريز النموذجية في شرق العراق، وتمثل حلقة وصل مع الكهاريز الموجودة في إيران كونها ترتبط بامتدادات مع بعضها».
وذكر أن «تلك الكهاريز تتوسط منطقة ذات بيئة طبيعية خلابة، خاصة في أوقات الربيع، وبذلك تمثل نقطة جذب سياحية طبيعية، مما يستدعي الحاجة إلى استدامتها عبر استظهارها وتأهيلها وتنظيفها وصيانتها وتهيئة المرافق السياحية المحيطة، مع تسييجها وإعلانها ضمن مواقع التراث العالمي لمشاريع الري القديمة».
وقال «لا بد من إجراء أعمال تنقيب أوسع وأشمل للمستوطنات والمدن الآثارية المرتبطة بهذه القنوات القديمة، ورفع الأنقاض المتراكمة داخل سلسلة الكهاريز، وإعداد الخطط اللازمة لجعلها من المعالم السياحية المهمة في محافظة ميسان».
وقال خماس إن «الكهاريز المكتشفة في منطقة الطيب الحدودية تعرضت إلى عدة عوامل أثرت فيها بشكل مباشر، منها تقادم الزمن وهجرة سكان المدن الأثرية قديمًا، وانقطاع أعمال ديمومتها وتنظيفها لضمان تدفق مياهها، كما أثرت عليها بشكل مباشر الحرب العراقية الإيرانية حين أصبحت مسرحًا لبناء المواضع وسقوط القذائف المتبادلة، فتضررت كثيرًا، يضاف إلى ذلك تعرضها لتجاوزات مختلفة تمثلت برفع كميات من الأتربة من الأكتاف وردم الآبار أو القنوات الظاهرية المنبثقة منها، والأقسى من ذلك أن المنطقة تحولت إلى مقالع للحصى دون رحمة».
مؤكدًا أن «حاجة الكهاريز إلى صيانة سنوية وعمل متواصل لتنظيف مجراها من الداخل، حيث تتساقط فيها باستمرار التربة والأطيان والحصى والرمال، مما يتسبب بعرقلة في جريان المياه، وبالتالي اندثارها بمرور الزمن رغم أهميتها التراثية والتاريخية التي تعكس قدرة الإنسان العراقي القديم في إعداد وتصميم نظم ري تواكب الحاجة آنذاك».
ويُعرف الكهريز بأنه أحد أهم أنظمة الري في العراق القديم، ويعكس قدرة الإنسان العراقي القديم في تطويع البيئة المحيطة واستدامة مصادر المياه طيلة فترات السنة، وتتوزع في المناطق الجبلية المتصلة بالمنطقة السهلية. وهي موجودة في كركوك شمالي العراق، وفي عينكاوه بمحافظة أربيل، وعالميًا توجد في الصين وعُمان وباكستان وأفغانستان وإيران.
وسبق أن تم اكتشاف مجموعة كهاريز شمال محافظة ديالى أوائل العام 2024، ما ينبغي التوسع في عمليات المسح والتحري عن الكهاريز في المنطقة الشمالية، كونها تكثر هناك أكثر من المناطق الأخرى نتيجة للظروف البيئية المختلفة والتكوين الجغرافي. وتقع منطقة الطيب شرق محافظة ميسان على الحدود العراقية الإيرانية، سميت بالطيب لطيب هوائها وخصوبة أرضها، ويسكنها الصابئة المندائيون. تتميز المنطقة من الناحية الجغرافية بكونها منطقة متموجة تقع على سفوح جبال زاكروس، وهي أراضٍ خصبة تتخللها بعض المرتفعات الصخرية، ومن أكبر هذه المرتفعات سلسلة تلول البند، ويغذي المنطقة نهر يعرف بنهر الطيب، والذي يمتد من الأراضي الإيرانية وينتهي بهور الحويزة.










