فينوس بابان
يدخل العراق في فبراير 2026 نفقاً مظلماً من الانكشاف الأمني فبينما تقترب جداول انسحاب القوات الدولية من لحظة الحسم تحولت الجغرافيا العراقية بقرار دولي معقد إلى مستودع بشري يضم أعقد الكوادر العقائدية المتمرسة في العالم. إن اكتمال نقل 5704 سجناء من أخطر عناصر تنظيم داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى المعتقلات العراقية ليس مجرد إجراء قانوني بل هو عبء جيوسياسي يضع استقرار الدولة على المحك. وفي قلب هذا الإعصار يبرز إقليم كوردستان كحجر الزاوية الوحيد الذي يمنع سقوط أحجار الدومينو في بيئة باتت توازناتها الأمنية شديدة الحساسية.
قنبلة الـ 5704 سجناء معضلة التمويل والمسؤولية الدولية الضائعة ..الأرقام والتبعات: تشير البيانات الرسمية إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء المعتقلين ينتمون لـ 61 جنسية مختلفة. ورغم المطالبات العراقية الرسمية والمستمرة للمجتمع الدولي بضرورة تحمل مسؤولياته تجاه مواطنيه إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تنصل مخجل حيث ترفض دول كبرى استعادة رعاياها أو حتى توفير غطاء مالي كامل لعمليات احتجازهم الطويلة.
استنزاف الخزينة والسيادة المجهدة: يؤكد التحليل المالي لموازنة 2026 أن العراق بات يتحمل فعلياً فاتورة الأمان بالنيابة عن العالم. فبينما تذهب الوعود الدولية في مهب الريح تُثقل كاهل الميزانية الاتحادية تكاليف الحراسة المشددة والإعاشة والرعاية الطبية وتأمين المنشآت ضد الهجمات الخارجية. هذا الوضع يضع صانع القرار في مواجهة مباشرة مع رأي عام داخلي يتساءل بمرارة: لماذا تتحمل خزينة المواطن العراقي تكلفة تأمين عواصم العالم من عناصر رفضت دولهم الأصلية استقبالهم؟
الانسحاب المقرر بنهاية 2026 يعني بالضرورة رفع المظلة المعلوماتية التي كانت تحمي الأجواء العراقية.
الفجوة التقنية: العراق يواجه خطر فقدان نظام الرصد (ISR) الذي يمثل العين الرقمية التي كانت تجهض مخططات كسر الجدران في المهد. إن رحيل القوات الدولية من القواعد الكبرى يترك فراغاً تقنياً قد تستغله الخلايا النائمة التي تنتظر ساعة الصفر لشن اختراقات داخل السجون الكبرى بهدف إعادة تدوير الفوضى وضرب الثقة بالمنظومة الأمنية والسياسية في آن واحد.
التكامل الدفاعي بين أربيل وبغداد سد الثغرات الحدودية
في ظل هذا التهديد الوجودي تبرز الاتفاقيات الأمنية الأخيرة الموقعة بين أربيل وبغداد كخط دفاعي جوهري. إن تشكيل الألوية المشتركة وتفعيل مراكز التنسيق في المناطق الرخوة أمنياً ليس مجرد إجراء فني بل هو ضرورة استراتيجية
حماية التماس: هذه الاتفاقيات تهدف لسد الثغرات التي قد يخلفها الانسحاب الأمريكي خاصة في جبال حمرين والمناطق الحدودية. إن التنسيق العالي بين البيشمركة والقوات الاتحادية هو الكفيل بمنع أي تحرك للعناصر الإرهابية نحو العمق العراقي أو مراكز الاحتجاز وهو ما يجسد الرؤية الكوردستانية بأن الأمن لا يتجزأ.
إقليم كوردستان القلعة الاستراتيجية ورهان الاستقرار
تدرك واشنطن في ظل اضطراب المشهد الإقليمي أن إقليم كوردستان هو الشريك الاستراتيجي الذي يمتلك الثبات والمصداقية. لذا فإن تعزيز الثقل اللوجستي نحو قاعدة حرير وتطوير الشراكات الأمنية في الإقليم ليس مجرد خطة دفاعية بل هو اعتراف بأن كوردستان هي الرئة الأمنية التي تمنع اختناق المنطقة. الموقع الجيوسياسي للإقليم اليوم يمثل خط الدفاع السيادي الأول الذي يحمي العمق العراقي من أي انهيار مفاجئ خلف الحدود.
الرئيس مسعود بارزاني حكيم الجبال وبصيرة القيادة الصلبة
في هذا المشهد المشحون بصراع الإرادات والمفاوضات الدولية المعقدة يتجلى دور الرئيس مسعود بارزاني كقائد بصير يرفض الانجرار وراء الشعارات العاطفية ويتمسك بلغة الواقعية الاستراتيجية:
الدبلوماسية القوية والوساطة الحكيمة: القائد الذي واجه الإرهاب في الميدان ببدلة البيشمركة يمارس اليوم دبلوماسية القوة والهيبة. هو المرجع الوحيد الذي يمتلك الجرأة لمكاشفة المجتمع الدولي بأن الانسحاب دون بدائل أمنية صلبة هو مقامرة بمصير المنطقة.
صمام أمان المنطقة: حكمته في إدارة ملف مسار مسقط والمفاوضات الإيرانية الأمريكية جعلت منه المرجع الذي يوازن بين ضرورة السيادة الوطنية والحاجة الملحة لبقاء تنسيق أمني ذكي يحمي المكتسبات. الشارع في العراق والجوار ينظر إليه بصفته الضمانة الكبرى فهو الذي يوصل الجميع إلى بر الأمان ليس عبر الوعود بل عبر رؤية أمنية وسياسية تزن الأمور بميزان القوة والاستقرار المستدام.
تداعيات على الشارع والاقتصاد: تحدي بيئة الأمان
لا يمكن بناء اقتصاد قوي في ظل وجود تهديدات كامنة خلف القضبان القريبة من المراكز الحيوية. الشارع العراقي في 2026 يعيش حالة من الترقب فالنمو الاقتصادي يحتاج إلى طمأنينة أمنية مطلقة.
استقرار الاستثمار الشركات العالمية تراقب بصرامة مصير الـ 5704 سجناء. رحيل التحالف دون ضمانات أمنية كافية قد يدفع الاستثمارات نحو الانكماش وهنا تبرز كوردستان كوجهة وحيدة مستقرة بفضل الرؤية التي جعلت من الأمن الركيزة الأساسية التي لا تخضع للمساومات.
إن عراق فبراير 2026 يقف على مفترق طرق تاريخي فالانسحاب تحدٍ استراتيجي وتأمين العناصر المتطرفة قنبلة صامتة والميزانية تنزف بمرارة تحت وطأة مسؤوليات دولية لم يوفِ العالم بالتزاماته تجاهها. وفي هذه اللحظة الفارقة يتأكد للقاصي والداني أن الحكمة التاريخية التي قادت الجبال في أصعب الظروف هي ذاتها التي تقود الدبلوماسية اليوم لإجهاض مخاطر الدومينو قبل وقوعها.
لقد أثبتت الأيام أن كوردستان هي الحصن المنيع وأن بصيرتها القيادية هي البوصلة التي لا تخطئ الاتجاه مهما بلغت شدة الرياح الإقليمية. سيسجل التاريخ أن هذا الثبات كان السد الذي حال دون انهيار البناء الأمني ومنع تحول المنطقة مرة أخرى إلى مسرح للفوضى والدمار.
العالم يرحل والتركات المثقلة باقية ووحده حكيم الأمة يمتلك مفتاح الأمان وبصبر السنين وقوة العقيدة ستقود هذه الحنكة السفينة وسط الأمواج العاتية لتصل بالجميع إلى شاطئ النجاة الحقيقي.










