جورج منصور
في صباح شتوي من شتاءات أربيل، كانت المدينة تستيقظ على وقع بردٍ خفيف يهبط من سفوح الجبال القريبة المكسوة بالغيوم، وعلى إيقاع حياةٍ لم تهدأ منذ قرون. هناك، بين أزقة التاريخ العتيقة وروائح الخبز الساخن المنبعثة من الأفران الشعبية، كانت سيرة رجلٍ تُكتب بصمت على جدران الذاكرة، قبل أن تتحول إلى عنوان في ذاكرة وطن بأسره.
إنه المناضل الآشوري البارز والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني فرانسو حريري، الذي امتزج اسمه بتاريخ أربيل الحديث كما تمتزج حجارة قلعة أربيل (أربائيلو- الآلهة الآربعة) بترابها، وكما تتدفق مياه نهر كوير وسهل ناوزنك في عروق هذه الأرض المعطاء.
وُلد فرانسو حريري عام 1937 في بلدة حرير الخلابة، الواقعة شمال شرق أربيل عند سفوح جبل كورك، في أحضان عائلة آشورية مسيحية عرفت معنى الانتماء العميق والتمسك بالجذورالتاريخية الممتدة لآلاف السنين. كان العراق آنذاك، في العقود الأخيرة من العهد الملكي، يعيش مخاضات سياسية متلاحقة، وكانت الأقليات القومية والدينية تبحث عن مكانها الآمن في وطنٍ متعدد الألوان والثقافات.
نشأ الفتى في كنف أسرة غرس فيه والده قيم العزة والكرامة، ورآه أهالي بلدته مثالاً للفتى المهذب والمجتهد. في تلك البيئة الجبلية الساحرة، حيث تختلط رائحة الأشجار المعمرة بمياه الينابيع الباردة، تشكلّت ملامح شخصيته وهو يرى التنوع المجتمعي لا كعبء ثقيل، بل كثراء حقيقي؛ لا كحدود فاصلة بين الناس، بل كجسور عبور نحو مستقبل مشترك.
تلقى تعليمه الأول في مدارس بلدته، ثم أنتقل إلى أربيل لمواصلة دراسته، حيث بدأ يتبلور وعيه السياسي المبكر من خلال احتكاكه بزملاء ينتمون إلى مكونات عراقية مختلفة، وإدراكه المبكر أن العراق لن يكون وطناً حقيقياً لجميع أبنائه إلا بالعدالة والمساواة والمواطنة الحقة.
في مطلع شبابه، وتحديداً في خمسينيات القرن الماضي، أتخذ فرانسو حريري قراراً مصيرياً غيرّ مسار حياته، عندما انضم إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان يقوده الزعيم الخالد مصطفى بارزاني. لم يكن هذا الانضمام خيار سياسي عابر أو مناورة مرحلية، بل كان خياراً وجودياً نابعاً من قناعة راسخة بأن قضية الحرية لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حقوق الشعب الكردي لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة كل مكوّن عراقي، مهما كان انتماؤه القومي أو الديني.
سار فرانسو حريري في دروب النضال الشاقة، واقترب من القيادة التاريخية للحركة الكردية، حاملاً معه صوت المكون الآشوري الذي يؤمن بالشراكة الوطنية الحقيقية لا بالعزلة والانكفاء على الذات. شارك في العديد من المحطات النضالية الفاصلة، وكان مثالاً للانضباط الحزبي والتفاني في العمل، مما أكسبه احترام وتقدير رفاقه وقادته.
لم يكن فرانسو حريري رجل شعارات وخطابات، بل كان رجل مؤسسات بامتياز. مع تطور الحياة السياسية في إقليم كردستان وبدء الكيان الكردستاني، تدرّج حريري في مواقع المسؤولية بجدارة واستحقاق. انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب في عام 1979، وبعد أول انتخابات برلمانية في الاقليم تولى رئاسة كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1992. وفي أواخر التسعينيات عُين محافظاً لأربيل خلفاً للراحل أكرم مخلص، وظل في هذا المنصب الحيوي حتى عام 2000.
كانت أربيل في تلك السنوات العصيبة تتلمس طريقها نحو إعادة البناء والإعمار بعد عقود مديدة من الصراع المرير والحصارالاقتصادي الخانق. رأى حريري أن السياسة لا تكتمل إلا بخدمة الناس اليومية، فكرس جهوده لخدمة المواطنين: دعم مشاريع التعليم، وساند تطوير القطاع الصحي، وأولى اهتماماً خاصاً بالرياضة والشباب. ولم يكن من الغريب أن يُطلق اسمه لاحقاً على ملعب فرانسو حريري الدولي في أربيل، في إشارة رمزية إلى رجل آمن بأن الرياضة والثقافة جزء أصيل من معركة بناء الإنسان والحياة الكريمة.
كان وجود فرانسو حريري، كآشوري مسيحي في موقع قيادي داخل حزب كردي عريق، رسالة سياسية وإنسانية بحد ذاتها. لقد جسّد حريري بأفعاله ومواقفه فكرة أن الهوية لا تُختزل أبداً، وأن الانتماء القومي أو الديني لا يمنع الشراكة الوطنية الفاعلة.
في خطاباته ومواقفه، كان يؤكد على التعايش واحترام التنوع، وعلى أن قوة إقليم كردستان تكمن في تعدد مكوناته وتكاتف أبنائه. مسلمين ومسيحيين، وإيزيديين وشبك وكاكائيين.
في زمنٍ كانت فيه المنطقة تموج بالاستقطابات الحادة والصراعات المذهبية والعرقية، بدا فرانسو حريري كصوتٍ عاقل يدعو إلى الاعتدال والوسطية، ويرى في بناء الدولة القوية والمؤسسات الراسخة سبيلاً لحماية الجميع، أقوياء وضعفاء، أغلبية وأقليات.
في صباح يوم مشؤوم من أيام شباط، وتحديداً في 18 شباط عام 2001، انقطع فجأة ذلك الصوت الوطني برصاص الغدر في أربيل. اغتياله لم يكن استهدافاً لشخصٍه فقط، بل محاولة يائسة للنيل من فكرة التعايش والقيم النبيلة التي مثّلها طوال حياته.
عمّ الحزن أرجاء الإقليم كافة، وأعلنت أيام حداد رسمي، وسارت الجماهير الغفيرة في موكب جنازته المهيب، كأنهم يودعون ليس فقط قائداً سياسياً، بل جزءاً من حلمهم المشترك بوطن يتسع للجميع. لكن الرصاص الغادر، كما أثبت التاريخ مراراً، قد يوقف الجسد الفاني، ولكنه لا يستطيع أن يوقف الفكرة الخالدة.
إرث لا يغيب
بعد خمسةٍ وعشرين عاماً كاملة على استشهاده، لا يزال اسم فرانسو حريري حاضراً بقوة في الذاكرة السياسية والاجتماعية في إقليم كردستان والعراق. يُستحضر اسمه كلما ذُكرت التعددية والتعايش، وكلما طُُرحت أسئلة الشراكة الوطنية بين المكونات، وكلما احتاجت السياسة إلى نموذجٍ ملهم يذكّرها بأن الخدمة العامة هي أخلاق وضمير قبل أن تكون منصباً وسلطة.
كان حريري ابن قريةٍ صغيرة في سفوح الجبال، لكنه حمل في قلبه وطناً كبيراً بكل تنوعاته. عاش من أجل فكرة سامية، ومضى شهيداً تاركاً خلفه سيرة عطرة لرجلٍ آمن بأن الاختلاف بين البشر لا يُقصي ولا يُفرق، بل يُكمل ويُثري.
وهكذا، تبقى قصة المناضل فرانسو حريري فصلاً ناصعاً من فصول العراق الحديث؛ فصل كُتب بالحلم والعمل والتفاني، وخُتم بالشهادة والدم الطاهر، لكنه ظل مفتوحاً على الأمل والتذكرة الدائمة بأن الرجال يصنعون الأمم، وأن الأفكار العظيمة لا تموت بموت أصحابها.









