علاء المفرجي
- 1 -
عندما تأسست نيتفلكس عام 1997 في الولايات المتحدة، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول شركة لتأجير أقراص DVD بالبريد إلى واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في صناعة السينما عالميًا. ما حدث خلال أقل من ثلاثة عقود ليس مجرد تطور تقني، بل تحوّل جذري في مفهوم الإنتاج والعرض والتلقي. لقد قطعت نتفليكس شوطًا جعلها من الهامش إلى قلب الصناعة، ومن بديل رقمي إلى منافس مباشر لهوليوود التقليدية.
في بداياتها، كانت نتفليكس مجرد وسيط يسهّل وصول الأفلام إلى المشاهدين. لكن التحول الحقيقي بدأ مع إطلاق خدمة البث عبر الإنترنت عام 2007، ثم دخولها مجال الإنتاج الأصلي مطلع العقد الثاني من الألفية. لم تعد الشركة تعتمد على شراء حقوق العرض فقط، بل صارت تنتج أعمالها الخاصة، واضعةً نفسها في موقع الاستوديو.
مع أعمال مثل فيلم (روما) للمخرج الفونسو كورون، أعلنت نتفليكس أنها لا تسعى فقط إلى الترفيه الجماهيري، بل إلى السينما الفنية أيضًا. فاز الفيلم بجوائز كبرى، ووصل إلى منصات التتويج العالمية، ليؤكد أن المنصة الرقمية يمكن أن تنتج عملًا ينافس في أرفع المحافل، بما فيها الاوسكار. لم يكن هذا فوزًا لفيلم واحد، بل إشارة رمزية إلى أن مفهوم “السينما” لم يعد حكرًا على قاعات العرض التقليدية.
واحدة من أبرز التحولات التي أحدثتها نتفليكس تمثلت في تحديها لنموذج التوزيع الكلاسيكي. تاريخيًا، كانت الأفلام تمرّ بدورة واضحة: عرض سينمائي أولًا، ثم انتقال إلى التلفزيون والمنصات المنزلية. لكن نتفليكس قلبت المعادلة، فبات الفيلم يُعرض عالميًا بضغطة زر، وفي اليوم نفسه.
هذا التحول أثار جدلاً حادًا، خصوصًا في مهرجانات عريقة مثل كانl، التي وضعت قيودًا على مشاركة الأفلام التي لا تحظى بعرض سينمائي تقليدي في فرنسا. الصدام لم يكن تقنيًا فقط، بل فلسفيًا: هل السينما هي شاشة كبيرة وجمهور في قاعة، أم هي تجربة سردية يمكن أن تتحقق في أي وسيط بصري؟
نتفليكس دفعت نحو إعادة تعريف السينما بوصفها محتوى يتجاوز المكان، فيما دافع كثير من السينمائيين عن قدسية القاعة المظلمة كجزء من التجربة الفنية. وفي سنوات قليلة، تحولت نتفليكس إلى واحدة من أكبر المستثمرين في الإنتاج السينمائي. أنتجت أفلامًا بميزانيات ضخمة، واستقطبت أسماء بارزة. تعاونت مع مخرجين مثل مارتن سكورسيز في فيلم الايرلندي، الذي كان من الصعب تمويله عبر الاستوديوهات التقليدية بسبب تكلفته العالية وطبيعته غير التجارية الصرفة.
بهذا المعنى، لم تكن نتفليكس مجرد منصة توزيع، بل ملاذًا لمشاريع كان يمكن أن تبقى حبيسة الأدراج. لقد منحت بعض المخرجين حرية إبداعية أكبر، وإن كان ذلك ضمن معادلات مشاهدة خاضعة لخوارزميات دقيقة.
أحد أهم التحولات التي جاءت بها نتفليكس هو إدخال البيانات الضخمة في صلب العملية الإنتاجية. لم تعد القرارات تعتمد فقط على الحدس الفني أو توقعات السوق التقليدية، بل على تحليل سلوك ملايين المشاهدين حول العالم.
تعرف المنصة ماذا يشاهد الجمهور، ومتى يتوقف، وأي أنواع يفضل. هذه المعطيات تتحول إلى بوصلة إنتاج. وهنا يبرز سؤال نقدي: هل ما تنتجه نتفليكس استجابة لذائقة قائمة، أم أنه يسهم في تشكيلها؟ وهل تتحول السينما، في ظل هذا النموذج، إلى صناعة موجّهة بالأرقام أكثر مما هي مدفوعة برؤية فنية؟
الواقع أن المنصة تسير على حبل مشدود بين الفن والسوق. فهي تحتاج إلى أعمال جماهيرية واسعة الانتشار، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الاحتفاظ بصورة المنتج الجاد القادر على المنافسة النقدية.









