المدى/ يمان الحسناوي
في ظل ضغوط مالية متصاعدة واعتماد شبه مطلق على عائدات النفط، أعادت خطوة إنهاء عقود عدد من المستشارين في رئاسة الحكومة العراقية فتح ملف شائك يتقاطع فيه الاقتصادي بالسياسي، والإداري بالحزبي. وبينما تصفه الحكومة بإجراء تنظيمي وترشيدي يندرج ضمن سياسة “ضغط النفقات”، يراه آخرون اختبارًا لجدية الإصلاح في دولة ما زالت تعاني من إرث المحاصصة وتضخم الإنفاق العام.
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني اتخاذ خطوات تنظيمية وترشيدية داخل تشكيلاته، شملت إنهاء عقود عدد من المستشارين والخبراء، ضمن إجراءات “ضغط النفقات”.
وشدد السوداني، بحسب بيان، على المؤسسات الحكومية كافة ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء الصادرة بهذا الشأن، بما يحقق ترشيدًا واضحًا للنفقات والاستفادة القصوى من الإمكانيات المتاحة.
وفي وقت سابق، أكد عضو مجلس النواب عامر عبد الجبار أن رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني عيّن أكثر من 200 مستشار، رغم أن القانون يسمح بستة فقط.
إلى ذلك، ربط النائب جاسم الموسوي خطوة تقليص عدد المستشارين في حكومة محمد شياع السوداني بالملف الاقتصادي، منتقدًا في الوقت نفسه آلية اختيارهم وتعيينهم.
وتشكل عائدات النفط 90% من إيرادات الموازنة العامة، في ظل ضعف مزمن في القطاعات الإنتاجية غير النفطية واتساع حجم القطاع العام. وعلى الرغم من الفوائض التي يحققها العراق خلال فترات ارتفاع أسعار النفط، فإن هذه الموارد لم تُترجم إلى إصلاحات هيكلية مستدامة، ما جعل المالية العامة عرضة للصدمات السعرية وتقلبات الأسواق العالمية.
ويواجه العراق عجزًا ماليًا حادًا قد يكون تجاوز 15 تريليون دينار في نهاية 2025، نتيجة ارتفاع النفقات العامة مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية.
وقال الموسوي، خلال حديثه لـ(المدى)، إن الملف الاقتصادي في الدورة البرلمانية الخامسة كان من أهم أولويات عمل القوى السياسية والحكومة، مشيرًا إلى أن هناك “مؤشرًا قويًا ومخيفًا” يتمثل في الاعتماد الكلي على النفط، لاسيما في ظل التوترات الإقليمية واحتمال تأثر أسواق الطاقة بالأزمات والحروب.
وأضاف أن إجراءات إصلاحية بدأت بالفعل، شملت ملفات الرواتب والجمارك والضرائب والاستيفاءات، إلى جانب تحجيم بعض المشاريع، لافتًا إلى أن اعتراضات سُجلت على عدد من المشاريع الحكومية انطلاقًا من ضرورة مراعاة الظرف الاقتصادي الذي يمر به العراق، وضرورة تعزيز القدرة المالية وتأمين الاستقرار المعيشي للمواطنين تحسبًا لأي أزمة. وأشار إلى أن النقاشات ذهبت إلى تفاصيل دقيقة تتعلق بالدرجات الخاصة والقضايا المالية وآليات احتساب الشهادات، موضحًا أن هذه الإجراءات جاءت بدافع القلق من وقوع أزمة اقتصادية.
وفي ما يتعلق بالمستشارين، أكد الموسوي أن هناك خللًا واضحًا في طبيعة الاختيار داخل مؤسسات الدولة، لا يقتصر على مستوى المستشارين فحسب، بل يشمل درجات ووظائف أخرى تتطلب اختصاصًا وخبرة. وأضاف أن اعتماد مبدأ المحاصصة في بعض التعيينات أدى إلى اختيار أشخاص لا يمتلكون المؤهلات والخبرة اللازمة، وهو ما انعكس سلبًا على الأداء العام.
وشدد الموسوي على ضرورة تحسين وضع الاقتصاد العراقي وتقوية قدرته المالية من خلال إدارة أفضل للموارد وتعظيم الإيرادات، بما يسهم في تحقيق تحولات اقتصادية تضمن استقرار الوضع العام. كما أشار إلى أن كثرة المستشارين لا تتناسب مع مستوى الإنتاج المتوقع، مبينًا أن الحكومة نفسها تواجه هذه الإشكالية وتسعى إلى تقليصها ضمن مسار الإصلاح. وفي وقت سابق من أمس الاثنين، وجّه رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني الجهات الحكومية كافة بتنفيذ قرارات المجلس المتعلقة بتعظيم الإيرادات وترشيد النفقات، ضمن منهج الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة.
جاء ذلك خلال ترؤسه اجتماع المجلس الوزاري للاقتصاد، بحضور وزراء التجارة والصناعة والصحة والاتصالات وكالة، والأمين العام لمجلس الوزراء، وعدد من المستشارين. إلى ذلك، اعتبر الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي أن قرار إنهاء عقود المستشارين في رئاسة الحكومة العراقية لا يمكن فصله عن السياقين المالي والسياسي معًا، مشيرًا إلى أن الخطوة ينبغي أن تُقرأ ضمن إطار أوسع يتعلق بالإصلاح الإداري وترشيد الإنفاق.
وقال التميمي لـ(المدى) إن القرار، إذا كان جزءًا من مسار إصلاحي شامل يتقاطع مع برامج تقشف أو توصيات صادرة عن مؤسسات دولية، فمن المفترض أن يستند إلى تقييم أداء مؤسسي معلن وواضح، لا أن يكون إجراءً انتقائيًا يفتقر إلى المعايير الشفافة.
وأضاف أن منصب “المستشار” في العراق تحوّل خلال السنوات التي أعقبت عام 2003 إلى امتداد لمنطق المحاصصة السياسية، بدلًا من أن يكون قائمًا على الكفاءة والخبرة التخصصية، الأمر الذي أضعف القيمة الفنية لهذا الدور داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح التميمي أن معيار الحسم في هذا الملف يجب أن يرتبط بأسئلة واضحة، من بينها: ما هي السياسات أو المشاريع التي صيغت بإسهام المستشارين؟ وهل توجد مؤشرات أداء قابلة للقياس لتقييم عملهم؟ وهل جرى تعيينهم عبر آلية تنافسية شفافة؟
وأشار إلى أنه في حال غياب هذه الأسس، فإن القرار قد يُفهم على أنه إعادة تموضع سياسي استعدادًا لاستحقاقات قادمة، أكثر من كونه إصلاحًا هيكليًا حقيقيًا يهدف إلى إعادة تنظيم الإدارة العامة وتعزيز كفاءتها.
ولا تتوفر أي ضوابط قانونية أو حتى أكاديمية تحدد شكل وآلية اختيار المستشارين في الرئاسات الثلاث في العراق، وهي الحكومة والبرلمان والجمهورية، رغم وجود قانون متخصص بتنظيم عمل المستشارين أُقر عام 2017 في البرلمان، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ ولم يُنشر في الجريدة الرسمية لغاية الآن.
ويأتي عدم نشر القانون، جرّاء ضغوط حزبية وسياسية تسعى إلى أن تُبقي مناصب المستشارين ضمن ما يُعرف بـ”الدرجات الخاصة” التي تتقاسمها الأحزاب التي تشكل وتتشارك في الحكومات المتعاقبة، بحسب مراقبين. ويوجد عشرات المستشارين الذين عُيّنوا في الرئاسات الثلاث في البلاد، وغالبيتهم ينتمون إلى الأحزاب التقليدية ويتم اختيارهم بطريقة “المحاصصة” الحزبية، ونشرهم على هذه الرئاسات.
ويحصل ذلك رغم أن قانون المستشارين نصّ على ألا يتجاوز عددهم في الرئاسات الثلاث 6 مستشارين وفق مراسيم جمهورية وتصويت البرلمان. لكن الرئاسات الثلاث لم تلتزم بهذا العدد، وهو ما يعتبره برلمانيون وسياسيون مخالفة دستورية وقانونية.
ويشترط قانون تنظيم عمل المستشارين غير النافذ تعيين المستشارين بالشروط العامة للتوظيف، وهي “أن يكون حاصلًا على الشهادة الجامعية الأولية في مجال اختصاصه في الأقل، وأن تكون لديه خدمة فعلية وخبرة في مجال تخصصه مدة لا تقل عن 15 سنة للحاصل على شهادة الدكتوراه، و18 سنة للحاصل على شهادة الماجستير، و20 سنة للحاصل على شهادة البكالوريوس”.
كما يشترط القانون أن تكون ضمن هذه المدد “خدمة وظيفية فعلية في مجال تخصصه لا تقل عن خمس سنوات، وتكون الأولوية في التعيين بصفة مستشار لمن شغل منصب وزير أو درجة وزير”. لكن هذه المواصفات لا تنطبق على كثير من المستشارين السابقين والحاليين.
من جانبه، قال الباحث في الشأن الاقتصادي ضياء المحسن إن رواتب وامتيازات المستشارين في العراق تتفاوت بحسب الجهة التي يعملون لصالحها وطبيعة عقودهم، مشيرًا إلى أن التصنيفات الرسمية لعام 2026 تُظهر فجوة كبيرة بين الراتب الاسمي والمخصصات والامتيازات العينية التي يتقاضاها المستشارون.
وأوضح المحسن لـ(المدى) أن المستشارين من الدرجات الخاصة، وغالبًا ما يكونون بدرجة وكيل وزير أو مدير عام، تخضع رواتبهم لقانون رواتب موظفي الدولة وقرارات مجلس الوزراء، وتتراوح بين 2,400,000 و4,000,000 دينار عراقي شهريًا، مبينًا أن المخصصات تشكل العبء الأكبر إذ قد تصل إلى 200% من الراتب الاسمي. وأضاف أن مستشاري المكاتب الإعلامية والفنية يتقاضون رواتب مقطوعة تتراوح بين 1,500,000 و3,000,000 دينار شهريًا.
وبيّن أن الامتيازات العينية، مثل السيارات والحمايات، ترتبط بالدرجة الوظيفية والموقع الأمني، فضلًا عن امتيازات أخرى تشمل تأمين السكن داخل المنطقة الخضراء وتذاكر السفر للمهام الرسمية، مؤكدًا أن كلفتها مرتفعة وتُثقل كاهل الموازنة العامة.
وأشار المحسن إلى أن تقدير الكلفة الحقيقية يتطلب حصر أعداد المستشارين، لافتًا إلى أن بعض التقديرات غير الرسمية تتحدث عن نحو 320 مستشارًا في مجلس الوزراء وحده، فضلًا عن المستشارين في رئاسة الجمهورية ومجلس النواب. ووفق احتساب تقريبي للكلف السنوية (رواتب، مخصصات، حمايات، امتيازات تشغيلية)، قد تصل الكلفة الإجمالية لمستشاري مجلس الوزراء إلى نحو 68.5 مليار دينار عراقي سنويًا، من دون احتساب كلف مستشاري رئاسة الجمهورية ومجلس النواب.
وختم المحسن بالتأكيد على أن أي مسار إصلاحي حقيقي يقتضي إعادة تقييم منظومة المستشارين ومعايير التعاقد والامتيازات وربطها بالحاجة الفعلية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن تقليل الهدر وتحقيق كفاءة أعلى في الإنفاق العام.









