متابعة/المدى
تعود المقارنات بين الحين والآخر إلى الواجهة كلما تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، ويبرز في هذا السياق تشبيه متكرر: هل يمكن أن يتكرر سيناريو عام 2003، ولكن هذه المرة مع إيران؟ هذا السؤال يتقدم النقاشات السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا، وسط تحذيرات من إعادة إنتاج أخطاء الماضي بصيغة جديدة.
في مقال تحليلي نشرته صحيفة The New York Times تابعته (المدى)، رأت الكاتبة Michelle Goldberg أن أوجه الشبه والاختلاف بين التهديدات الأميركية الحالية لإيران، وبين الأجواء التي سبقت غزو العراق عام 2003 في عهد جورج بوش، لا تتعلق فقط بطبيعة النظامين أو موازين القوى، بل بطريقة إدارة القرار السياسي داخلياً.
ففي عام 2003، روّجت إدارة بوش لرواية امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، في حملة واسعة هدفت إلى كسب دعم الرأي العام والكونغرس للتدخل العسكري. ورغم ما كُشف لاحقاً من تضليل، تشير غولدبرغ إلى أن تلك المرحلة عكست إدراكاً لأهمية إقناع الداخل الأميركي قبل خوض حرب خارجية.
أما اليوم، فتقول إن التهديدات التي يطلقها الرئيس الأميركي ترامب تجاه إيران تصدر – بحسب قراءتها – في ظل غياب نقاش عام موسع أو تفويض واضح من الكونغرس، مع ضبابية تحيط بالأهداف والاستراتيجية المحتملة. وترى أن هذا الفارق يعكس تحوّلاً في آلية اتخاذ القرار، وفي العلاقة بين السلطة التنفيذية والرأي العام.
وفي سياق المقارنة، تبرز نقطة جوهرية أخرى: طبيعة الدولة المستهدفة. فبينما كان العراق عام 2003 خارجاً من حصار طويل، ويعاني عزلة دولية وضعفاً عسكرياً، تُقدَّم إيران اليوم بوصفها دولة أكبر مساحة وسكاناً، وأكثر انخراطاً في شبكة تحالفات إقليمية، وتمتلك أدوات ضغط متعددة، سواء عبر برنامجها الصاروخي أو من خلال حلفاء إقليميين.
وفي هذا الإطار، أشار موقع Middle East Monitor إلى أن حرب العراق رُوّج لها آنذاك باعتبارها عملية سريعة ومحدودة الكلفة، إلا أن تداعياتها امتدت لسنوات وغيرت ملامح المنطقة. ويحذر الموقع من أن أي مواجهة مع إيران قد لا تبقى ضمن حدود “الضربة المحدودة”، نظراً لقدرة طهران على الرد عبر أكثر من ساحة.
من جهة أخرى، يلفت بعض المراقبين إلى أن المزاج الشعبي الأميركي تغيّر مقارنة بعام 2003. فبحسب استطلاعات أجرتها مؤسسة Gallup، كان نحو 72% من الأميركيين يؤيدون غزو العراق في بدايته، فيما تشير استطلاعات حديثة إلى أن نسبة التأييد لأي عمل عسكري ضد إيران أقل بكثير، ما يعكس حذراً متزايداً من الانخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط.
وعلى هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، برزت أيضاً مواقف من معارضين إيرانيين في الخارج شددوا على أن إيران “ليست عراق 2003”، في إشارة إلى رفض فرض مسارات سياسية عبر تدخل خارجي. هذا الطرح يعزز فكرة أن السياقين، رغم التشابه في لغة التهديد، يختلفان في البنية الداخلية والتوازنات الإقليمية.
في المحصلة، لا يقف التشبيه بين العراق 2003 وإيران اليوم عند حدود المقارنة التاريخية، بل يتحول إلى أداة تحذير من تكرار مسار انتهى بتداعيات معقدة. وبين خطاب التصعيد والدعوات إلى الدبلوماسية، يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت واشنطن وطهران تتجهان نحو مواجهة تعيد فتح جراح الماضي، أم أن دروس 2003 ستظل حاضرة في حسابات القرار هذه المرة.










