TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

نشر في: 22 فبراير, 2026: 12:01 ص

عصام الياسري

في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا مبنيا على الوقائع الحالية والتوازنات الإقليمية، وليس على الانطباعات فقط. من أن المشهد العراقي اليوم ليس مجرد صراع شخصي حول نوري المالكي بل هو صراع على شكل الدولة العراقية وتوازنها بين واشنطن وطهران والقوى المحلية. بين كل هذه «المجسات» يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والتوازنات الإقليمية المعقدة، لتضع الدولة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمستقبل نظامها السياسي وقدرتها على الاستمرار كدولة مستقرة.
فبعد أكثر من عقدين على التحولات الكبرى، ما يزال العراق يبحث عن صيغة حكم قادرة على تحقيق التوازن بين الداخل المنقسم والخارج المتنافس، وبين تطلعات المواطنين وواقع النخب السياسية. المشهد الحالي لا يمكن فهمه من خلال الخلافات السياسية التقليدية أو الصراع على المناصب فحسب، بل باعتباره انعكاسا لبنية نظام قائم على التسويات المؤقتة أكثر من اعتماده على مؤسسات قوية. هذا النظام بالإضافة إلى عدم نجاحه في منع الانهيار الكامل للدولة والحد من الأزمات المسببة، فشل في إنتاج استقرار طويل الأمد أو تنمية اقتصادية مستدامة، ما جعل الدولة تعيش في دائرة متكررة من الأزمات المؤجلة والحلول الجزئية.
أحد أبرز ملامح الواقع العراقي هو ازدواجية السلطة، حيث تتقاطع المؤسسات الرسمية مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية واقتصادية. هذا التداخل لا يعني غياب الدولة، لكنه يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة، ويجعل أي إصلاح حقيقي مرهون بتوافقات معقدة بين قوى متنافسة داخل النظام نفسه. وقد انعكس هذا الواقع على شكل الحكومات التي غالبا ما تولد ضعيفة نتيجة تسويات تهدف إلى منع الصراع أكثر مما تهدف إلى بناء مشروع وطني واضح.
في الجانب الاقتصادي، يواجه العراق مفارقة واضحة؛ فالعائدات النفطية المرتفعة لم تتحول إلــى قاعدة إنتاجية متينة، بل عززت نموذج الاقتصاد الريعي القائم على الإنفاق الحكومي والتوظيف الواسع. يوفر هذا النموذج استقرارا ظاهريا، لكنه يخفي هشاشة بنيوية قد تظهر بسرعة عند أي صدمة مالية أو انخفاض في أسعار النفط. كما أن تضخم القطاع العام وضعف الصناعة المحلية والاعتماد الكبير على الاستيراد، كلها عوامل تجعل الاقتصاد عرضة للأزمات المتكررة. ولا يمكن فصل الوضع الاقتصادي عن المشهد السياسي، إذ إن الأزمات المالية غالبا ما تتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية. فالتأخير في الرواتب أو تراجع الخدمات يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات واسعة وانقسامات سياسية، وربما توترات أمنية، ما يعمق حالة عدم الاستقرار ويضعف ثقة المواطنين بالدولة.
أحد أخطر التحولات التي يشهدها العراق هو بروز نموذج "الدولة المزدوجة"، حيث تتقاطع سلطة المؤسسات الرسمية مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية واقتصادية. هذا الواقع لا يعني انهيار الدولة بالكامل فحسب، إنما يضعف قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية حاسمة، ويجعل أي إصلاح مرهون بتوافقات معقدة بين قوى متنافسة داخل النظام نفسه.
يبقى السؤال الآني والمهم: متى يبدأ الشعب لعب دوره كمصدر للسلطات كما ورد في الدستور لمعالجة الأوضاع السياسية برمتها. حيث أثبتت التجارب السابقة أن الضغط الشعبي قادر على إحداث تأثير ملموس وفرض تعديلات سياسية محدودة، لكنه كشف أيضا حدود هذا الدور في ظل عدم تكافؤ ميزان القوة بين المجتمع والنخب السياسية الماسكة أحزابها بالسلطة بقوة المال والسلاح. كما أن مخاوف المواطنين من الفوضى أو فقدان مصادر رزقهم المرتبطة بالدولة تجعل كثيرا يترددون في دعم تغييرات جذرية في العملية السياسية قد تحمل مخاطر غير محسوبة.
فلسفة التاريخ تؤكد أن التغيير الحقيقي لا يعتمد على موجة احتجاج واحدة، بل على تراكم طويل من الوعي السياسي والتنظيم المدني والمشاركة المستمرة في الحياة العامة. كما يتطلب وجود بدائل سياسية قادرة على تحويل مطالب الشارع إلى برامج حكم واقعية، وهو ما لا يزال يمثل تحديا كبيرا أمام القوى المدنية الجديدة التي أصبحت خارج المعادلة بسبب تراكم الأخطاء والفوضى الأيديولوجية التي تنخر صفوفها. مما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحا للعراق من ناحية المستقبل غير المنظور، ليس انهيارا مفاجئا، ولا تحولا جذريا سريعا، بل مسار طويل من التغيير التدريجي. قد يتخلل هذا المسار توترا سياسيا وأزمات اقتصادية واحتجاجات متقطعة، لكنه قد يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل بطيئة للنظام السياسي وظهور قيادات أكثر براغماتية وقدرة على إدارة التوازنات.
ومع ذلك، يبقى خطر الانفجار المفاجئ قائما إذا تزامنت أزمة اقتصادية حادة مع انقسام سياسي عميق وصراع على النفوذ داخل مؤسسات الدولة. مثل هذا السيناريو قد يهدد الاستقرار الاجتماعي ويزيد من هشاشة الدولة، ما يجعل الإصلاح التدريجي خيارا أقل كلفة وأكثر واقعية على المدى الطويل.
في النهاية، العراق ليس دولة منهارة، لكنه أيضا ليس دولة مستقرة بالكامل. إنه بلد يقف بين احتمالين: الاستمرار في إدارة الأزمات حتى التآكل التدريجي، أو الدخول في مسار إصلاح طويل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع ويمنح المؤسسات قدرتها على العمل بفعالية. إن إنقاذ العراق لا يمكن أن يكون مسؤولية الشعب وحده ولا مهمة النخب السياسية وحدها، بل مشروعا وطنيا مشتركا يتطلب وعيا شعبيا وإرادة سياسية وتوازنا خارجيا يسمح للدولة باستعادة دورها الطبيعي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

 علي حسين على معظم شاشات العالم شاهدنا امس الاول رئيس كوريا الحنوبية السابق يعتذر للشعب ، بعد الحكم عليه بالمؤبد بسبب اعلانه للأحكام العرفية قبل اكثر من عام ، وقال انه " يأسف...
علي حسين

قناطر: "العيداني" في البصرة مطلبٌ عند أهلها

طالب عبد العزيز كان لمحافظ البصرة المهندس أسعد العيداني أن يكون أوفر العراقيين حظاً في تسنم منصب رئيس الوزراء لو أنه شاء ذلك، لكنَّ غالبية البصريين لا يريدونه هناك، ومن وجهة نظر خاصة فأنه...
طالب عبد العزيز

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

سعد سلوم - بسام القوتلي كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري،...
سعد سلّوم

العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

عصام الياسري في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram