TOP

جريدة المدى > عام > طه حسين والنائب العام محمد نور(رؤية قانونية)

طه حسين والنائب العام محمد نور(رؤية قانونية)

في الذكرى المئوية لصدور كتاب (في الشعر الجاهلي)

نشر في: 22 فبراير, 2026: 12:01 ص

هادي عزيز علي
في موسوعته الجنائية الصادرة عام 1936 رتب جندي عبد الملك - الذي يعد احد ابرز شراح القانون الجنائي المصري حينئذ – الشكاوى ضد طه حسين في أربعة مواضيع هي : 1 – تكذيبه القرآن في اخباره عن أبراهيم وأسماعيل المستند على الخلاف بين لغتي عدنان وقحطان . 2 – انكاره انزال القراءات السبع . 3 – الطعن في نسب النبي وغياب الدليل عن كونه من صفوة العرب . 4 – انكاره ان للاسلام أولية في بلاد العرب وانه دين إبراهيم او دين العرب قديما . نظر النائب العام ( محمد نور) اليها ووجدها تتماهى وحكم المادة 139 من قانون العقوبات الأهلي الساري وقتئذ ونصها : ( يعاقب على كل تعد يقع بأحدى طرق العلانية على الأديان التي تؤدي شعائرها علنا ..) . الأربعة أعلاه اذا اخذت على انفراد فكل موضوع يصلح ان يكون جريمة مستقلة تنفذ بالتعاقب عند الاثبات الا ان حصافة الرجل وسعة افقه وحلمه وسعة ثقافته واحاطته بمباديء الشريعة الإسلامية بحكميها القطعي والظني اعتبرما منسوب للمؤلف تهمة واحدة وكان له ذلك.
من خلال تحقيقاته وجد النائب العام ان الركن الأول للجريمة متحقق وهو ( الركن المادي) المتمثل في صدور كتاب ( في الشعر الجاهلي ) بطبعته الأول 1926 عن دار الكتب المصرية ووصوله الى يد المتلقي الذي اعتبرته الشكاوى إساءة للدين الإسلامي وخطاب تحريضي موجه للعامة ينال من قدسية الدين ويسيء لنسب النبي ورهطه من بني هاشم وان عبارات التشكيك والإساءة صريحة وواضحة ولا تشوبها شائبة فالركن المادي للجريمة متحقق فعلا . كذلك ثبت تحقق الركن الشرعي لكون ماقاله المؤلف في كتابه يعاقب عليه القانون بصريح النصوص ( لا جريمة ولا عقاب الا بنص قانوني ) (المادة 139) أعلاه وهكذا تحقق ثبوت الركنين الأول والثاني ولم يتبق الا الركن الثالث والأخير وهو ( الركن المعنوي) فان ثبت ومجتمعا مع الأول والثاني حل الفعل المخالف للقانون ولزم مرتكبه الجزاء .
الركن الثالث – الركن المعنوي : ( هو القصد الجنائي الذي تنصرف اليه إرادة الجاني لارتكاب الفعل المخالف للقانون ) وهو النية الآثمة التي يسعى الفاعل لتحقيقها والاثار المترتبة عليها . هنا وعند محطة الركن المعنوي كانت مهمة النائب العام العسيرة ان يثبت انصراف إرادة طه حسين الى ان القرأن وثيقة كاذبة بقوله : (التوراة ان تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل والقرآن يحدثنا أيضا عنهما ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لأثبات وجودهما التاريخي ) ، وان القراءات السبع لم تكن مروية من الله على لسان نبيه ، وان النبي مطعون في نسبه فهو وقومه ليسوا من صفوة الانساب ، وان يثبت انكاره أولية الإسلام في بلاد العرب . هنا يقول النائب العام : مما تقدم ومن خلال التحقيقات : ( ان المؤلف خرج من بحثه هذا عاجزا كل العجز عن ان يصل الى غرضه الذي عقد هذا الفصل من اجله ) . ويتلقف جندي عبد الملك هذا القول في موسوعته ليبين : ( ان القصد الجنائي غير متوفر لدى المتهم لما ظهرمن انه كتب ما كتب عن اعتقاد تام وانه كان منساق كتابة بعامل قوي متسلط على نفسه وهو وأن كان قد اخطأ فيما كتب الا ان الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء اخر) وبعبارة أخرى ان أرادة طه حسين أنصرفت أولا وأخيرا الى مسألة بحثية بحتة مستعينا بمنهج ديكارت لاثبات ذلك وهذه هي القناعة المتولدة لدى النائب العام الذي كتب سطوره الأخيرة في ملف التحقيق : ( مما تقدم يتضح ان غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن او التعدي على الدين ، بل ان العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه انما أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده ان بحثه يقتضيها . وحيث انه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر . تحفظ الأوراق إداريا).
هذا الوعي المبكر لدى النائب العام محمد نور في موضوع حرية التعبير نفي القصد الجرمي عن تكذيب القران والمس بنسب النبي وسواها من المواضيع الأخرى نفي ان تكون لطه حسين نية أثمة بل ان نيته منصرفة الى البحث العلمي حسب والقول بنية البحث العلمي تعد بقعة الضوء التي أراد لها النائب العام الديمومة سلمها لجيله والاجيال اللاحقة على ان امل ان تكون في أيديهم في منأى من زحف العتمة ولكنها تسربت من بين الأصابع قبل ان تدركها العتمة الا ان العتمة تلك ادركت نصر حامد أبو زيد وألبسته المحنته حبيس جدرانها فقد واجهته الدوغمائية بقانون منقرض هو (قانون الحسبة ) بدلا من تهمة ازدراء الدين المنصوص عليه في قانون العقوبات خشية ان يظهر محمد نور آخر يتمسك بالقصد البحثي بدلا من القصد الجنائي وحصل له الذي حصل . نحن عندما وقفنا خلف نصر حامد أبو زيد متمسكين بحرية التعبير دفع شبابنا كلفة مريرة في احتجاجات تشرين حتى قبل ان يجد القانون السبيل اليهم ولا زلنا في مواجة القوى التي لا تعتبر حرية التعبير حق كفله الدستور بل هو مجرد مسألة أمنية .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

كيف عاش الفلاسفة الحُبَّ؟

ذاكرة ثقافية..جماعة "الواق واق" وجماعة "الوقت الضائع"

"الرجل الذي عاش تحت الأرض" والوجودية الادبية

في روايته "الجسد": ديفيد زالاي يُحطّم أوهام شاب مجري هاجر إلى الغرب

صدور رواية (أيّامٌ للأسئلة... أيّامٌ للإختيار) ليوسف أبو الفوز

مقالات ذات صلة

نادية هناوي.. الابداع والمشروع المعرفي مواجهة المرض
عام

نادية هناوي.. الابداع والمشروع المعرفي مواجهة المرض

جهاد مجيد بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram