TOP

جريدة المدى > سياسية > لماذا يراهن العراق على سندات الخزانة الأميركية رغم اهتزاز الثقة العالمية؟

لماذا يراهن العراق على سندات الخزانة الأميركية رغم اهتزاز الثقة العالمية؟

40.8 مليار دولار في قلب العاصفة

نشر في: 22 فبراير, 2026: 12:09 ص

المدى/ يمان الحسناوي
في وقتٍ تشهد فيه الأسواق العالمية نقاشًا متصاعدًا بشأن مستقبل سندات الخزانة الأميركية ومكانة الدولار في النظام المالي الدولي، رفعت بغداد حيازتها من هذه السندات إلى نحو 40.8 مليار دولار حتى نهاية كانون الأول 2025، بزيادة بلغت 1.1 مليار دولار خلال شهر واحد، وبنسبة نمو وصلت إلى 74% مقارنة بشهر يناير/كانون الثاني من العام نفسه.
وبحسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية، فإن «حيازة العراق من سندات الخزانة الأميركية لشهر كانون الأول 2025 ارتفعت بمقدار 1.1 مليار دولار، لتصل إلى 40.8 مليار دولار، بعد أن كانت 39.7 مليار دولار خلال الشهر الذي سبقه»، كما أظهرت البيانات أن هذه الحيازة ارتفعت بنسبة 74% مقارنة بشهر كانون الثاني 2025، عندما بلغت 23.4 مليار دولار.
سندات الخزانة بين الثقة التاريخية والاهتزاز الحديث
على مدار عقود، عُدّت سندات الخزانة الأميركية الدعامة الأساسية للنظام المالي العالمي، والملاذ الآمن الذي يلجأ إليه المستثمرون في أوقات الأزمات، والمقياس الذهبي للديون السيادية، والحجر الأساس لسوق رأس المال العالمية، وهي مكانة تعود جذورها إلى اتفاقية مؤتمر بريتون وودز عام 1944.
غير أن الفترة بين عامي 2024 و2025 شهدت تراجعًا في الثقة غير المشروطة بهذه الأداة المالية، مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5.2%، وهي أعلى مستوياتها منذ عام 2007، في ظل عجز مالي سنوي تجاوز 1.8 تريليون دولار، وتكاليف خدمة دين فاقت 514 مليار دولار سنويًا، إلى جانب تنامي الانقسام السياسي الأميركي وتراجع ثقة بعض المستثمرين في القدرة طويلة الأمد على إدارة الدين.
وفي هذا السياق، قال مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمالية، مظهر محمد صالح، إن «المحفظة الاستثمارية للاحتياطيات الأجنبية لجمهورية العراق، المقوّمة بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى، تُعد بمثابة صندوق وطني سيادي ذي طبيعة متخصصة، يرتبط مباشرة بأهداف السياسة النقدية في الحفاظ على استقرار النظام النقدي وصون القيمة الخارجية للدينار العراقي، ولا سيما استقرار سعر الصرف».
وأوضح صالح، خلال حديثه لـ(المدى)، أن «زيادة حيازة العراق من سندات الخزانة الأميركية ترتبط هيكليًا بوقوعه ضمن ما يُعرف بـ"منطقة الدولار"، باعتبار أن المورد الرئيس للعملة الأجنبية يتمثل في الإيرادات النفطية (البترودولار)، وعليه فإن توظيف جزء من الاحتياطيات الدولارية في أدوات الدين السيادية الأميركية يُعد ممارسة طبيعية ومتسقة مع قواعد إدارة الاحتياطيات الدولية».
وبيّن أن «تنويع المحفظة الدولارية عبر الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية يمثل خيارًا منخفض المخاطر، نظرًا لتمتعها بسيولة عالية وتصنيف ائتماني سيادي مرتفع، فضلًا عن قوة الاقتصاد الأميركي»، مشيرًا إلى أن «ارتباط العراق المباشر وغير المباشر بالأسواق المالية العالمية، وفي مقدمتها السوق الأميركية، يجعل من هذا التوظيف جزءًا من استراتيجية إدارة الاحتياطيات بكفاءة وأمان».
وأضاف أن البيانات العامة تشير إلى أن «نحو 30% من سندات الخزانة الأميركية المتداولة في الأسواق مملوكة لجهات أجنبية، مقابل نحو 70% مملوكة لمؤسسات ومستثمرين داخل الولايات المتحدة، مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي وصناديق التقاعد والبنوك والمستثمرين المحليين».
ووفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية حتى نهاية عام 2025، فإن أكبر الدول حيازة لسندات الخزانة الأميركية هي اليابان بنحو 1.2 تريليون دولار، تليها المملكة المتحدة بنحو 888.5 مليار دولار، ثم جمهورية الصين الشعبية بنحو 682.6 مليار دولار، ولوكسمبورغ بنحو 423 مليار دولار، إضافة إلى دول أخرى.
وأكد صالح أن «استثمار الاحتياطيات الرسمية العراقية في سندات الخزانة الأميركية يندرج ضمن إدارة حصيفة للثروة السيادية الدولارية، ويأتي في إطار سياسة نقدية خارجية مستقرة ومتوازنة، هدفها الأساس تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني وحماية الاستقرار المالي في البلاد».
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي حيدر الكفيشي أن «استثمار نحو 30 مليار دولار في سندات الخزانة الأميركية يُعد خيارًا آمنًا وله فوائد مالية، لكنه قد يضع البلاد تحت ضغوط سياسية».
وأضاف الكفيشي، خلال حديثه لـ(المدى)، أن «العراق يلجأ إلى هذا النوع من الاستثمار نظرًا لارتفاع مستوى الإنفاق على الإعمار، فضلًا عن سعيه إلى تنويع احتياطاته الأجنبية وتجنب التقلبات السياسية والاجتماعية المحتملة»، موضحًا أن «العراق قسّم استثماراته بين طويلة الأجل تُقدّر بنحو 28 مليار دولار، وأخرى قصيرة الأجل تصل إلى 12 مليار دولار».
وأشار إلى أن «الاستثمارات قصيرة الأجل تسهم في تحقيق عوائد مالية، ودعم استقرار سعر صرف الدينار، فضلًا عن سهولة تحويلها إلى سيولة نقدية عند الحاجة».
ولفت إلى أن «هناك مفارقات في الاستثمار بسندات الخزانة الأميركية بالنسبة لبلد كالعراق، لا سيما أن أسعار الفائدة فيها تخضع لسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ما قد يؤثر في العوائد ويُلقي بظلاله على المستثمرين».
وبيّن أن «العراق قد يتعرض لضغوط سياسية نتيجة هذا النوع من الاستثمارات، لافتًا إلى أن مبلغ 40 أو 41 مليار دولار، رغم أهميته، لا يُعد كبيرًا قياسًا بحجم الاقتصاد الأميركي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى جذب المستثمرين الأجانب للاستثمار داخل البلاد».
وختم بالقول إن «هناك فرصًا استثمارية داخل العراق يمكن أن تحقق عوائد مالية أعلى من تلك التي توفرها سندات الخزانة الأميركية، التي تُعد منخفضة العائد مقارنة ببعض القطاعات المحلية».
وتكشف أزمة 2024-2025 عن تحولات أعمق في بنية النظام المالي العالمي، حيث لم تعد سندات الخزانة الأميركية بمنأى عن التقلبات الجيوسياسية والمالية. ومع اتجاه بعض البنوك المركزية الكبرى إلى تقليص حيازاتها، برز نقاش جدي حول مستقبل الدولار كعملة احتياط مهيمنة.
ورغم ذلك، يبقى الاستثمار العراقي في السندات الأميركية، من منظور السياسة النقدية، جزءًا من استراتيجية دفاعية تهدف إلى حماية الاحتياطي وضمان استقرار سعر الصرف، أكثر من كونه سعيًا وراء عوائد مرتفعة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

مقالات ذات صلة

«الإطار» يفكر بـ«لاعب ظل»: لن يتكرر خطأ حكومة عبد المهدي
سياسية

«الإطار» يفكر بـ«لاعب ظل»: لن يتكرر خطأ حكومة عبد المهدي

بغداد/ تميم الحسن بدأت أجنحة داخل «الإطار التنسيقي» تدفع باتجاه العودة إلى ما يُعرف بـ»لعبة الظل» للخروج من مأزق «فيتو ترامب» على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة. ورغم أن التحالف الشيعي سبق أن جرّب...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram