محمد حسن الساعدي
تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة تضم سياسيين، رجال أعمال، وشخصيات بارزة في العالم الغربي والعربي،إذ أن هذه القضية لم تكن مجرد ملف جنائي، بل تحولت إلى أزمة سياسية وأخلاقية عالمية، ألقت بظلالها على مصداقية النخب الحاكمة وأثارت تساؤلات حول تواطؤ المؤسسات الرسمية والإعلامية.
منذ بداية التحقيقات في منتصف العقد الأول من الألفية، ظهر أن إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال، بل كان يمتلك شبكة نفوذ معقدة، استغلها لتجنيد واستغلال فتيات قاصرات في منازله وجزيرته الخاصة، وبالرغم من إدانته في قضية واحدة عام 2008 بولاية فلوريدا، إلا أن حجم الجرائم التي ارتكبها ظل أكبر بكثير مما ظهر في المحاكم،والمفارقة العجيبة أن إبستين استطاع الإفلات من العقاب لفترة طويلة بفضل علاقاته السياسية والمالية، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول العدالة الانتقائية في الولايات المتحدة.
الأبعاد السياسية للقضية تتجلى في الأسماء التي ارتبطت بإبستين. فقد كشفت الوثائق المسربة عن علاقات تربطه برؤساء أمريكيين سابقين مثل بيل كلينتون ودونالد ترامب، إضافة إلى الأمير البريطاني أندرو، ورؤساء وزراء وشخصيات سياسية أخرى، وان هذه التسريبات لم تقتصر على الغرب، بل شملت شخصيات عربية، ما جعل القضية ذات طابع عالمي يتجاوز حدود الولايات المتحدة.
الإعلام لعب دوراً مزدوجاً في هذه القضية فمن جهة ساهمت الصحافة الاستقصائية في كشف تفاصيل مهمة، مثل نشر صحيفة نيويورك تايمز رسائل وصور جديدة مرتبطة بإبستين، ومن جهة أخرى، وُجهت اتهامات لبعض المؤسسات الإعلامية بالتستر أو التقليل من حجم الفضيحة بسبب ارتباطها بمصالح سياسية واقتصادية...هذا التناقض يعكس أزمة الإعلام المعاصر بين دوره الرقابي وبين خضوعه أحياناً لضغوط النخب.
سياسياً، أحدثت القضية شرخاً في الثقة بين الشعوب ومؤسسات الحكم،إذ يرى كثيرون أن تواطؤ شخصيات سياسية بارزة مع إبستين، أو على الأقل صمتها، يعكس خللاً أخلاقياً عميقاً في النخب الحاكمة، كما أن انتحار إبستين عام 2019 أثناء احتجازه أثار جدلاً واسعاً، حيث شكك البعض في ظروف وفاته، معتبرين أنها محاولة لإسكات أسرار قد تهدد شخصيات نافذة.
من زاوية أخرى، القضية سلطت الضوء على قضايا أوسع مثل الاتجار بالبشر، استغلال السلطة، وغياب المساءلة. فهي لم تعد مجرد قصة رجل واحد، بل أصبحت رمزاً لفساد ممنهج يتغلغل في المؤسسات السياسية والاقتصادية، في بلد يرفع شعار التعددية والحرية واحترام الشعوب ويسعى الى نشر الديمقراطية في العالم، إذ أن هذا البعد جعلها مادة للنقاش في المحافل الدولية، وأداة يستخدمها المعارضون لتعرية خصومهم السياسيين في واشنطن،وهي مادة دسمة في استهداف الإدارة الامريكية وتعريتها امام المجتمع الدولي.
يمكن القول إن قضية إبستين ليست مجرد فضيحة جنائية، بل هي مرآة تعكس أزمات السياسة والإعلام في العصر الحديث، فهي تكشف عن هشاشة القيم التي تدّعيها النخب، وتضع أمام الشعوب سؤالاً صعباً... كيف يمكن بناء نظام سياسي وإعلامي يضمن العدالة والمساءلة بعيداً عن نفوذ المال والسلطة؟ هذه القضية ستظل علامة فارقة في التاريخ السياسي المعاصر، لأنها ببساطة أظهرت أن الفساد حين يتغلغل في القمة، يصبح أكثر خطورة من أي جريمة فردية.










