ستار كاووش
متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع الصغيرة التي ربما لا ينتبه اليها الآخرون. حتى لو كان لديَّ هدفاً ما أو ذهبتُ لشراء شيء محدد، فسيُضاف الى قائمة الشراء شيئاً جديداً، أشتريه بعد أن يبرق أمامي فجأة.
هذا ما حدث معي قبل فترة حين خرجتُ متجولاً دون التفكير في شراء شيء محدد. لكن ما أن صرتُ بمحاذاة سوق المدينة، لمحت من بعيد بعض الألوان التي تتلألأ وسط الأكشاك. إقتربتُ أكثر من مصدر هذه الألوان مروراً ببائعي القبعات والأوشحة والمناديل، لأصل في النهاية الى الألوان التي بَدَتْ مثل العيد، وكان مصدرها كشك امرأة مسنة تبيع الجوارب الصوفية الملونة التي تُحيكها بنفسها. يا لجمال الصنعة ويا لطف المصادفة التي قادتني لعالمٍ من الأشكال الجميلة والألوان المتناغمة وكأنها معرضاً شخصياً للجوارب.
وهكذا أشتريتُ زوجين من الجوارب وسألتُ المرأة عن بعض الألوان الأخرى، فقالت بأَنها لا تتوفر لديها الآن، لكن يمكنها أن تُحيكها لي وتجلبها معها في المرة القادمة، وما عليَّ سوى أن أخبرها بالألوان التي أريدها بالضبط، وسأحصل على الجوارب المناسبة. فأجبتها بأن هذا يسعدني كثيراً، لكني أخبرتها بأن ظروفي لا تسمح لي بالمجيء الى السوق في الأسبوع القادم، فأجابتني (لا عليك يابني، تعال بوقت آخر، وأن كنتَ تسكن قريباً من هنا فسيحضرها لك زوجي بنفسه) وأشارت الى الرجل اللطيف الذي كان منشغلاً بترتيب الجوارب التي إصطفت مثل باقات زهور على الطاولة الواسعة. رحَّبتُ بالفكرة وقلت لها بأن مرسمي على بعد شارعين وأعطيتها العنوان ثم دفعتُ لها الثمن مقدماً وهو ثمانية يورو، إضافة الى ثمن الزوجين اللذين مازالا بيدي. وودعتها بمحبة وأنا سعيد بالألوان التي حصلت عليها وبما سيأتيني من هذه المرأة التى تشع طيبة وجمالاً، وفوق هذا تصنع جوارباً نادرة تشبه الأعمال الفنية.
مرت بضعة أيام ، حتى سمعتُ جرس الباب الذي فتحته لأرى القادم، كان الرجل المسن زوج صانعة الجوارب يقف مبتسماً وهو يُقدم لي الجوارب التي أوصيت عليها، وقد غلَّفها بورق رمادي يميل الى الأخضر. دعوته للدخول فشكرني قائلاً بأنه لديه مهمة أخرى عليه القيام بها، قال ذلك وهو يربِتَ على الحقيبة القماشية الصغيرة المعلقة على كتفه. شكرته كثيراً وحَمَّلتهُ تحيات لزوجته الطيبة (المبدعة) ووعدته بأني سأزورهما في الكشك مرة أخرى. تابعتُ من فتحة الباب خطوات الرجل الهادئة وهو يمضي نحو مركز المدينة، وتأكدتُ بأن الجمال يكمن في تفاصيل الحياة لا في الحياة ذاتها، هذه التفاصيل التي جمعتني بهذه المرأة وزوجها وكمية السعادة التي منحاها لي. يا لجمال هؤلاء الذين يكتفون بما هو بسيط وسهل وغير معقد، وبذلك يصنعون سعادتهم وسعادة الآخرين. نعم فالحياة فيها الكثير من القسوة والصعوبات، فلماذا نصعبها على أنفسنا أكثر؟
في اليوم التالي حين أخبرتُ جارتي يانتشا بذلك، فاجئتني قائلة (هل تعرف بأني أجيد الحياكة بشكل جيد، وغالباً ما أصنع بعض المنسوجات لأولادي ولزوجى ياكوب) ثم أردفت (بهذه المناسبة سأحيك لك جوارب زرقاء تشبه اللون الطاغي على الكثير من لوحاتك) وفعلاً، لم تمض بضعة أيام حتى قدمتْ لي جوارب زرقاء صوفية مذهلة، يالها من هدية جميلة. ولأن جارتي اللطيفة أكبر مني عمراً، فقد طلبت مني بمكر ودعابة أن لا أعتبر هذا بمثابة هدية أم لإبنها، وعللتْ ذلك كون النساء بشكل عام لا يحبن أية إشارة تعبر عن تقدمهن في السن. فوافقتها الرأي ووعدتها بذلك بشكل أكيد بعد أن حصلتُ على الجوارب الزرقاء.
أستعيد هنا الآن أيام بغداد البعيدة، وولعي القديم بالجوارب الملونة، ويتذكر اصدقائي تلك التفاصيل، حتى أني قمتُ عندَ إفتتاح معرضي (رجل وامرأة) في قاعة الرواق سنة ١٩٩٣ بلبسِ جوارب بلونين مختلفين حيث كانت الفردة اليمنى حمراء فيما اليسرى زرقاء، وسط ضحك الجميع. حينها قال الشاعر يوسف الصائغ لمقدم البرنامج التلفزيوني الثقافي هادي ياسين الذي جاء ليصور الإفتتاح (لماذا تصور اللوحات، ستار هو لوحة بحد ذاته، وعليك أن تصوره)، وبالفعل جلبوا إطاراً خشبياً من مخزن القاعة الخلفي ووضعوه أمامي وسط ضحك حميد قاسم ومؤيد نعمة وعبد الرحيم ياسر وعشرات الأصدقاء المبدعين، وكان يوسف الصائغ يقف بمواجهتي يتحدث مع جبرا إبراهيم جبرا ويشير نحو المشهد الذي إقترحه، فيما أنا كنتُ أحاول خلسة رفع بنطالي قليلاً كي تظهر جواربي الملونة.










