TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ايران في دوامة الاضطرابات

ايران في دوامة الاضطرابات

نشر في: 24 فبراير, 2026: 12:02 ص

مارمار كبير

ترجمة : فؤاد الصفار

تشهد ايران منذ الثامن من يناير/كانون الثاني، واحدة من أعنف موجات الاضطراب في تاريخها الحديث، في ظل حملة قمع غير مسبوقة تعكس مازق السلطة وإدراكها أن بقاءها بات مهددّا. فمع استنزاف الخطاب الايديولوجي الاسلامي ، وتتداعى الاسس القومية ، وتفاقم الفجوة الاجتماعية ، وحرمان الشعب من تطلعاته ، تزداد التدخلات الأجنبية، مما يشكل تهديد خطير لوحدة البلاد واستقرار المنطقة .
انطلقت الانتفاضة من السوق الكبير (البازار) في طهران يوم 28 ديسمبر/كانون الاول، وسرعان ما تحولت إلى حركة احتجاج واسعة رُفعت خلالها شعارات غير مسبوقة “ هذا عام الموت “ “ الموت للدكتاتور” في تعبير صريح عن الرغبة في اسقاط النظام ، وعادت للظهور اعلام النظام القديم ، مع دعوات صدرت من الخارج .
حذرت السلطات العائلات عبر رسائل نصية من مغبة النزول إلى الشوارع، لكن العنف تمدد بسرعة، وأصبحت الصورة اكثر تعقيداّ حول طبيعة الحراك ، أو الدور المحتمل لجهات خارجية أو مدى عنف واستفزازات أجهزة الأمن، وزاد. قطع الانترنيت قبل ساعات قليلة من نزول الفرق المسلحة الى الشوارع ، ورفض منح تأشيرات للصحفيين الاجانب له دلالات كبيرة .
أفادت منظمات حقوقية مقرها في الخارج بسقوط 3500 قتيل. وفي خطاب متلفز، أقر المرشد الأعلى علي خامنئي بمقتل “ عدة آلاف” من الاشخاص ، مشيرّا إلى أن بعضهم قضي “ بطرق غير إنسانية ووحشية” لكنه حمّل المسؤولية لما سماه “ عملاء أجانب” ومع آلاف الجرحى والمعتقلين، ينتظرون أحكام قاسية قد تصل إلى عقوبة الإعدام . وحتى 21 يناير/كانون الثاني، بلغ عدد القتلى رسميا 3117 شخصّا.
تندرج هذه الموجة من العنف في سياق تاريخ طويل من الصراعات على السلطة في إيران. فمن انقلاب رضا شاه العسكري عام 1921، إلى إسقاط حكومة محمد مصدق بدعم بريطاني- أمريكي عام 1953،بعد أن امم النفط، وصولاّ إلى الثورة الإسلامية عام 1979 وما تبعها من موجات قمع واعتقالات واعدامات، ظل العنف السياسي سمة بارزة في تاريخ البلاد الحديث. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، جرى القضاء على معظم القوى الوطنية واليسارية، وفي صيف 1988 مع اقتراب وقف الحرب مع العراق ، بلغ القمع ذروته بإعدام آلاف السجناء السياسيين، وبأيدي صناع القرار الحاليين. وتكررت حلقات الاحتجاج والقمع ، من انتفاضة الطلاب عام 1999، إلى حركة “ أين صوتي” عام 2009، واحتجاجات أزمة الوقود عام 2019، وصولاّ إلى انتفاضة “ المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسما أميني .
تهمين القضايا الاقتصادية والاجتماعية، على مشهد الانتفاضة الحالية . ويشير المؤرخ إرفائد أبراهاميان “ هذه اخطر أزمة شهدتها الجمهورية الاسلامية ولأول مرة منذ عام 1978، وأن يكون تجار البازار في طليعتها” . والذين تحملوا خسائر جسيمة وخاصة مستوردي السلع الإلكترونية المستوردة نتيجة انخفاض قيمة الريال الايراني الذي فقد اكثر من نصف قيمته مقابل الدولار في عام واحد .
في ظل ارتفاع التضخم من ( 9% في عام 2005 ، وحوالي 45% في عام 2025) اضافة الى البطالة الجزئية وتراجع القدرة الشرائية ، وتفاقم الاجراءات المتخذة للالتفاف على العقوبات ،فقد استفادت قلة مرتبطة بمراكز القرار من نظام مالي يقوم على المضاربات والامتيازات الخاصة ما فاقم التفاوت الاجتماعي . ويعيش نحو ثلث السكان اليوم تحت خط الفقر ، بينما أحصت مجلة فوربس اكثر من 25 آلف مليونير في البلاد عام 2021.
تفاقمت حالات نقص المواد منذ “ حرب الايام الاثنى عشر” في يونيو/حزيران الماضي ، ليس فقط المنتجات الخاضعة للعقوبات ، كالأدوية التي صدرت مؤخراً. فقد أصبح انقطاع الماء والكهرباء أمرأ شائعا ، اضافة الى موجة الجفاف الشديدة التي ضربت البلاد هذا الخريف . إن الطبيعة الأوليغارشية المتزايدة للنظام تؤدي الى انعدام الأمن الوظيفي ، حيث أصبحت عقود العمل محدودة المدة هي القاعدة، وتدهور قطاع الخدمات العامة ( دور الحضانة، المدارس، المستشفيات) لصالح القطاع الخاص .
ينتقد عالم الاجتماع يوسف أباظاري دور خبراء الليبرالية الجديدة في الحكومات الايرانية منذ رئاسة هاشمي رفسنجاني (1989-1997)و” الجراحات الاقتصادية التي لا تنتهي” والمستوحاة من مدرسة شيكاغو حيث “ الجشع” هو المبدأ الاخلاقي الوحيد والتقشف هو الافق : إن الهدف من هذا الاقتصاد هو تقليص دور الدولة ،وتقوية نفوذ الاقتصاد الحر ، أي اثراء الاغنياء والأوليغارشية ، مع توطيد الجهاز القمعي . النتيجة الملموسة لهذه السياسة هي ظهور تفاوتات اجتماعية واقتصادية عميقة داخل المجتمع .
حاول رئيس الجمهورية السيد مسعود بيزشكيان في أوائل يناير/كانون الثاني، الاستجابة للغضب من خلال توزيع قسائم غذائية تسمح للناس بالحصول على الضروريات من المواد الاساسية ، كما انه حدد الاستفادة من سعر الصرف التفضيلي على شراء القمح والأدوية . وتسعى الحكومة إلى التميز بين الاحتجاجات المشروعة و” العناصر التخريبية “ من خلال الادعاء خلافا لجميع الأدلة ، بأن غالبية الشعب يدعمون الدولة . وفي اعقاب حملة القمع ، تبنى الرئيس لهجة أكثر عدائية مؤكداً أن “ أي هجوم على المرشد الأعلى ، يعتبر حربا ضد الامة»
برز الدور الاسرائيلي بشكل علني ، إذ دعا جهاز الموساد الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع ، فيما كثف نجل الشاه السابق نشاطه السياسي بدعم تل ابيب . لكن ، ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات ، لا تزال القاعدة الاجتماعية للنظام قائمة ، خاصة في الأحياء العمالية والمناطق الصناعية التي لم تشهد إضرابات واسعة ، خلافا لما حدث عشية ثورة 1979.
تعتمد الحكومة الايرانية على الدعم الغير المباشر لجيرانها ، الذين يخشون تكرار سيناريو العراق في حالة التدخل الاجنبي ،وخطر التفكك العرقي وانهيار هياكل الدولة ، لذلك عملت العربية السعودية وقطر وعمان على ثني الرئيس دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران محذرة من << تداعيات خطيرة على المنطقة>> كما عرضت روسيا التوسط مع اسرائيل ، بينما دعت تركيا الى لغة الحوار لحل الأزمة .
تكشف موجات الاحتجاج المكررة عن مجتمع ديناميكي ، لكنه يعاني من انقسامات عميقة . وفي ظل تأكل شرعية النظام ، يلوح وهم “ المنقذ” المدعوم خارجيا ، غير أن غياب بديل ديمقراطي متجذر في الداخل يطرح سؤالاّ مصيريّا : هل يمكن لإيران أن تعبر أزمتها دون السقوط في فوضى مفتوحة ؟
• عن لوموند دبلوماتيك – شباط 2026

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram