TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > القيمة القانونية للتوقيع ومشروعية تغييره

القيمة القانونية للتوقيع ومشروعية تغييره

نشر في: 24 فبراير, 2026: 12:03 ص

د. اسامة شهاب حمد الجعفري

تتداخل الرموز في حياة الانسان لتعطي معاني لقيمه الاخلاقية, رغيف الخبز يعد رمزاً للكرامة الانسانية, وتعد قطعة القماش رمزاً للوطن, والورقة رمزاً للالتزام القانوني, ولا يشذ التوقيع عن هذه الرموز. فهو ليس مجرد رسم او شكل هندسي انما هو علامة على شخصية واضعه. ولو اخذنا «التوقيع» ودرسناه في نطاق القانون, وابرزنا الطبيعة القانونية له لبانت قيمته القانونية وموضوعه في البُنية القانونية ومدى شروعية قيام الفرد بتغيير توقيعه بعدما اعتمده مدة طويلة. وسيجيب هذا المقال عن هذه المطالب.
اولاً: الطبيعة القانونية للتوقيع :
يتأصل التوقيع عميقاً وترجع جذوره الى اهم مبدأ من مباديء القانون , وهو مبدأ “سلطان الارادة” الذي يجعل الارادة الفردية مصدراً لكل التزامات الانسان. فالانسان حٌر في خلق ما يريد من الالتزامات و حُر في تحدد مداه , وبذلك تكون الارادة مصدر التزامات الفرد تجاه الغير. ولكن لكي تحدث الارادة أثراً قانونياً لابد وان تتأخذ مظهراً اجتماعياً. ولا تأخذ الارادة مظهراً اجتماعياً الا بالافصاح عنها. والافصاح هو التعبير عن تلك الارادة ونقلها من كونها ارادة باطنة غير محسوسة الى كونها ارادة ظاهرة لتكون شيء مادي يستطيع القانون ان يحيط به ويرتب عليه احكامه دون الحاجة الى البحث في هواجس النفس ومكامنها. فالقانون ظاهرة اجتماعية لا ظاهرة نفسية, والارادة الباطنة اذا ما اريد لها ان تكون لها وجود في العالم الاجتماعي وجب ان تتخذ مظهراً مادياً بالتعبير عنها , باي شكل من اشكال التعبير بالقول او الكتابة وقد يكون بالرمز والاشارة, والتوقيع او الامضاء هو من الوسائل التعبير عن الارادة التي من شأنها ان يجعلها ذات اثر اجتماعي فتدخل في حساب الناس ويتعاملون معها بمقتضى ما استقرت عليه في شكلها الخارجي وفي هذا استقرار للمعاملات وطمأنينة لمن يسكن الى ما يظهر امامه من ارادة لا يستطيع التعرف عليها الا بالتعبير عنها. والفرد يعبر عن ارادتها بالتوقيع , والادارة تعبر عن ارادتها بالقرار الاداري الذي يكون التوقيع جزء من الشكل القانوني له.
ثانياً: الاساس القانوني للتوقيع:
حيث ان الطبيعة القانونية للتوقيع قد بانت من انه “تعبيراً عن الارادة” سواء كان ارادة الفرد في نطاق تعاملاته الشخصية والمالية او ارادة الادارة في نطاق الوظيفة العامة في تسيير المرفق العام , فإن القوانين لم تغفل في اعتماده كاساس قانوني لوجود الارادة وجوداً قانونياً منتجة لاثارها. حيث اشار اليه القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل في المادة (79) منه التي بينت ان التعبير عن الارادة (ايجاب وقبول) كما يمكن ان يكون مشافهة يمكن ان يكون كتابة ولو بالاشارة شائعة الاستعمال ولو من غير الاخرس, وقضت محكمة التمييز الاتحادية بهذا الصدد بقرارها المرقم 869/حجية السند/ 2011 بان التوقيع هو الاثر الكتابي الذي يضعه الفرد بخطه على المحرر للدلالة على قبوله وصدوره عنه , والتوقيع وسيلة من وسائل التعبير عن الارادة الملزمة. ثم نص صريحاً قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984 المعدل الذي نظم الانشطة الاقتصادية في القطاعين العام والخاص على ان يكون التوقيع من البيانات الالزامية للاوراق التجارية في المادة (40) منه وكل العمليات المصرفية والتجارية. كما اشترطت المادة (10) من قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسمة 1959 المعدل ان يكون “توقيع” الزوجين امام القاضي من البيانات الالزامية التي تشهد على صحة العقد عند تسجيل عقد الزواج في سجلات المحكمة. والتوقيع من البيانات الالزامية لامر القبض, اذ الزمت المادة (93) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 ان يكون امر القبض موقع من قبل من اصدره من القضاة. واوجبت المادة (128) من نفس القانون توقيع المتهم على محضر اقواله. والتوقيع دليل على صحة اجراءات التبليغات القضائية في المواد (88-89-93) من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي , وقانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 في المواد (13-14-16-19) منه, وان فقدان التوقيع عن عريضة الدعوى يصيبها بالبطلان لان التوقيع من البيانات الالزامية لعريضة الدعوى في المادة (46) منه.وكذلك ما يتعلق بالمحكمين والقسامات الشرعية والقرارات القضائية كلها يجب ان تتضمن التوقيع.
ومن اجل ان يكون التوقيع محلاً للثقة العامة وتسكن اليه الناس في تعاملاتها فان قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل يسبغ حمايته له, وقانون العقوبات هنا لا يحمي رمزاً او شكلاً وانما يحمي الثقة العامة في التعبير عن الارادة, في المواد (286-298) منه. والملاحظ في هذه المواد ان المشرع اعتبر تزوير التوقيع جريمة مستقلة حتى ولو لم يتغير مضمون المحرر.فهنا الضرر يتجاوز الفرد الى المجتمع.
ثالثاً: مشروعية تغيير التوقيع وتبديله
وظيفة التوقيع بالاساس هي وظيفة اسنادية. اي ان التوقيع في دلالته القانونية وسيلة لاسناد المحرر الى صاحبه. فقانون الاثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 لم يقنن شكلاً محدداً للتوقيع ولم يلزم الفرد “بنموذج توقيع الزامي” واحد وثابت لا يتغير مدى الحياة ولم يضفي على التوقيع صفة الديمومية والجمود. لانه يركز على نسبة المحرر الى صاحبه عن طريق نسبة التوقيع له لا الى شكله, فحجية المحرر العادي تبطل بانكار التوقيع, وحجية السند الرسمي تبطل بتزوير المضمون او التوقيع, فالتوقيع هو محور حجة المحررات الرسمية والعادية انه يقيم قرينة قانونيو وليست قضائية على صحة تلك المحررات, الا ان التعبير عن الارادة الانسانية بطبيعتها تكون متغيرة وتحولة بفعل الزمن والظروف الشخصية والاجتماعية فان شكل التوقيع يتغير ايضاً تبعاً لذلك. لذا فان القانون جعل من التوقيع بحد ذاته قرينة قانونية بسيطة قابلة لاثبات العكس وهذه المرونة التشريعية وان كانت تحمي حق الفرد في تغيير التعبير عن ارادته بتغيير توقيعه الا ان تغيير التوقيع ليس بالحق المطلق وانما هو مقيد. والقيد هو ان لا يكون حق الفرد في تغيير توقيعه وسيلة للانكار والتحايل والغش والتهرب من الالتزامات. فبدلاً من ان يكون التوقيع اداة للتعبير عن الارادة يكون اداة لتفريغ الارادة من اثارها القانونية الملزمة. ان ضبط هذه المنطقة الرمادية لا يحتاج الى نصوص قانونية جامدة وانما الى وعي قضائي يقظ لاقامة التوازن بين حماية الحقوق الشخصية وحماية الامن القانوني لاستقرار المعاملات. لان التوقيع بحد ذاته لا ينحصر في ضمن الحقوق الشخصية الصرفة, وانما من يتعلق بامن الجماعة. لذا فإن الحكم بحق الفرد بتغيير التوقيع لا ينصرف الى الالتزامات السابقة, وتبقى صحيحة. اما اذا كان الفرد موظف عام فان تغيير توقيعه يخضع الى ضوابط عملية اكثر تقييد منها اشعار الادارة العليا بتغيير التوقيع, وتثبت التوقيع الجديد في السجلات الادارية, تحديث التوقيع لدى المصارف والجهات الرقابية الاخرى. لان توقيع الموظف هو تجسيد ارادة الدولة عب شخص طبيعي.
وخلاصة ذلك, للشخص أن يغيّر توقيعه من حيث الأصل، لكن حرية الشكل مقيدة بحسن النية وعدم التعسف؛ فإذا استُعمل التغيير للتحايل أو إنكار التزامات، قامت المسؤولية المدنية، وقد تتوافر شبهة جزائية ان توقرت اركانها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram