TOP

جريدة المدى > عام > فاضل السوداني: فرقة المسرح الحديث مدرسة كونت فكري المسرحي وذاتي كإنسان

فاضل السوداني: فرقة المسرح الحديث مدرسة كونت فكري المسرحي وذاتي كإنسان

يرى ان أنجذابه للطقوس الدينية كون هذه الطقوس قريبة من التراجيديا والدراما والمسرح

نشر في: 24 فبراير, 2026: 12:01 ص

حاوره علاء المفرجي
الدكتور فاضل سوداني، أستاذ جامعي ومخرج مسرحي وباحث أكاديمي في الفن، دكتوراه في الاخراج المسرحي من اكاديمية المسرح والسينما .جامعة صوفيا ـ بلغاريا ، عضو نقابة المؤلفين المسرحيين الدنماركيين (DDF )، وعضو الهيئة الإدارية لفرقة المسرح الفني الحديث ـ بغداد، عضو نقابة الفنانيين العراقيين . عمل باحثاً حراً في الطقوس الدرامية والفن الشرقي بدعم من معهد البحوث المسرحية جامعة كوبنهاكن، كتب وبدعم من معهد تاريخ البحوث المسرحية ـ جامعة كوبنهاكن ونقابة المسرحيين الملكيين الدنماركيين ـنصاً مسرحياً تحت اسم “النزهات الخيالية»
ترجم الى الدنماركية وكذلك نص آخر بعنوان الرحلة الضوئية، فاز بجائزة التاليف لنقابة المسرحيين الدنماركيين عن نصه النزهات الخيالية عام1996 ، فاز بجائزة الهيئة العربية للمسرح عن مسرحية “ مريم والنسر الذهبي” 2011. عمل استاذا في جامعات بلغاريا . الجزائر . ليبيا ، دهوك، و استاذا لمادة التمثيل والإخراج المسرحي ومادة علم الجمال ومادة المشاهدة، والتحليل في كلية الاداب قسم المسرح ـ جامعة دهوك. كما عمل مخرجا وممثلا لسنوات طويلة في العديد من المسرحيات العالمية في مختلف البلدان ولمؤلفين مختلفين عالميين وعرب .
يدعو الى تحقيق ( البعد الرابع في فضاء العرض المسرحي) ويدعو لكتابة ( النص المسرحي المرئي)، والى تطوير عمل الممثل من خلال تدريبه في ورشات تحت عنوان “الذاكرة البصرية لجسد الممثل وعلاقتها بالأشياء في الفضاء البصري للعرض ، ويحقق هذا بورشات مسرحية مع طلبة المعاهد المسرحية والممثلين عموما.
قام باخراج المسرحيات : الإخراج والكتب وألمؤلفة : النزهات الخيالية ترجمت الى الدنماركية، مساء الخير ايها السيد فان كوخ ترجمت الى الدنماركية وعرضت في كوبنهاكن.وبلجيكا . الرحلة الضوئية تأليف وإخراج في مسرح تيرا نوفا تياتر مع ممثلين دنماركيين وجمور دنماركي بعد أن ترجمت الى الدنماركية عام 1996، عرض الرحلة تاليفاً وإخراجا في ـ2023 دهوك ـ كردستان العراق
صدرن 4 مسرحيات في كتاب بعنوان “ الرحلة الضوئية “عن دارالغاوون، العنف والفوضى المنظمة في مسرح شكسبير . صدر عن دائرة الثقافة، ثمة كابوس في الشرفات (مجموعة شعرية ) ترجمت الى الفرنسية . دار الروسم ، استنطاق الصمت (في الشعر والرؤيا) صدرعن الهيئة المصرية للكتاب القاهرة، النص المرئي في فضاء العرض المسرحي ـ صدر عن الهيئة العربية للمسرح ـ الشارقة، الدراما في اساطير وطقوس وادي الرافدين ( تحت الطبع)، يدعو الى كتابة النص البصري للعرض المسرحي
كيف اسهمت طفولتك في مدينة العمارة، مع طقوسها الدينية مثل عاشوراء والمندائية، في تنمية ميلك الثقافي والمسرحي؟
العمارة مدينة متنوعة الطوائف والأديان، حيث كانت طقوسهم تثير لدي الحس الشعري والدرامي، لأنها مملوءة بالغرائبية، ومنها الطقوس المندائية التي تملأ المدينة،والتي يمارسونها في أعيادهم، ومناسباتهم الدينية وتتم دائما وسط النهر ، فالماء جزء من طقوس التعميد الدينية، فنرى صولجان الشيخ، وغصن الشجر الطري في عمامته،وتمتماته التي هي جزء من أسطورية كتاب «الكنـزربا» المقدس ،فنسمعه يتمتم بخشوع ( بكلمتك خلق كل شئ ) وكأنه يبحث عن نور الشمس، فيضع الغصن كأنه نجمة ، بل قمرا تائها على رأس المندائي الذي يحلم بالغفران ، ويتوحد الحالم مع روحه ليمشي على النجوم ( الأبدية )، ليتطهر طوال العام في زمن المسرة ،. أنه مشهد ساحر إسطوريا ودرامياً.
كانت الأضرحة المقدسة التي تكثر في مدينتي تسحرني بصمتها وتمتمات الزوار المتدينين، وبعد ذلك الإحساس بالخشوع، والرهبة في الأضرحة الحسينية ،والأولياء الصالحين في النجف وكربلاء والتي فيها تمتلئ روحي بذلك الانبهار والجو الغريب (القريب من صمت المسرح ) الذي كنت أفضل أن اختلي فيه ساعات طويلة متسربلا بالخشوع وبخور العافية.
ومنذ طفولتي كنت مندهشاً من جميع طقوس التعازي التي كانت تقام بذكرى الحسين(ع)، فالهوادج المضيئة بالمشاعل، ورائحة البخور و الردات الحسينية الحزينة التي تتكرر كل عام في شهر عاشور وتنتهي “ بالتشابيه “والحزن يلف جميع مرافق المدينة الموشاة بالأسود والذي سيخلق جوا خاصاإنه مشهداً متفرداً في تراجيديته.
وهل جذبك هذا الأمر للمسرح بشكل نهائي؟
وبالتأكيد، فإن انجذابي للطقوس الدينية التي كانت تقيمها مختلف الطوائف الدينية، لا يمكن أن أبرره إلا لكون هذه الطقوس هي قريبة من التراجيديا والدراما والمسرح، وبالتأكيد فإنها تثيرر مخيلتك عندما ترى في ليل المشاعل كورس الرجال يسيرون حفاة ،والجميع يمسك الشموع وأغصان الآس ، مما يضفي على هذا المشهد المأساوي رهبة وجلالا ،وفي البيوت والشوارع تبدأ النساء بالندب على إيقاع الدفوف ، يردحن بإيقاع الحزن ، وهن يقفزن في الهواء منثورات الشعور، فيمتزج الندب ونواح الجسد وتوهجه الصوفي . وبالتأكيد فإن هذه الطقوس لا بد ان تؤثر في روحي ومخيلتي وانا مازلت في تلك الطفولة العراقية.
وبالرغم من تعرف سكان مدينتي العمارة في ذلك الزمان الهني على المسرح ، ومنذ خمسينات القرن العشرين كان هناك مسرح يقدم عروضا مختلفة . و في أوائل ستينات القرن الماضي شاهدت أول عرض مسرحي شعبي من فرقة المدينة المسرحية التي يديرها ويعمل بها شخصيات محترمة اجتماعيا.
وعندما تَقربتُ من أعضائها، وكنت في بداية المراهقة، تعلمت منهم الانضباط، واحترام قوانين المسرح
ولكني بعد ذلك بدأت العمل في المسرح من خلال النشاط الفني المدرسي والذي جذبني كثيرا ليحدد مستقبلي المسرحي بوضوح، حيث بدأ هواية، لكنه تحول إلى وعي و احتراف.
وماذا عن الرسم؟
الجانب الآخر المهم أيضا، هو تعلمي للرسم من خلال النشاط الفني في بداية دراستي المتوسطة على أيدي الفنان منعم مسافر وعبد الرحيم البياتي ، وحزت على الجائزة الأولى في الرسم على مدارس العراق( وكانت على شكل باج ذهبي لوجه الزعيم عبد الكريم قاسم ، ولكن الأهل بالتاكيد باعوه مع الاسف )، وقد ساعدتني هذه الهواية مستقبلا في دراستي في أكاديمية الفنون على الرؤية الفنية التشكيلية وتصميم الديكور لجميع المسرحيات التي أخرجتها وأيضاً لمسرحية في انتظار غودو التي أخرجها الفنان سامي عبد الحميد لفرقة المسرح الحديث في نهاية الستينيات من القرن العشرين وبالرغم من فقر هذه المدينة، كان فيها ثلاث سينمات هي النصر والخيام والحمراء ( الثورة ) ، كما كان في المدينة ناديان ليليان . وكانت السينما بالنسبة إلى الطفل اليافع والحالم الذي كنته، تشكل عالما جديدا، هذا السحر كان يشكل ذاكرتنا وخيالنا الذي ينمو بسرعة قياسية ففي الأيام التي لا نملك فيها ثمن التذكرة ، أو نعمد أنا وصديقي ماجد الصابري إلى الاتفاق مع صاحب الحانوت الخاص بالسينما لبيع المرطبات في الاستراحة، أو أثناء العرض ، وكثيرا ما مكان يؤنبنا ويطردنا لأننا لم نهتم ببيعها . أو في أحسن الأحوال، نتشارك في شراء بطاقة واحدة، وننتظر طويلاًقبل بدء العرض في هذه المدينة الغرائبية، وفي كل حياتها اليومية، كانت تصدر فيها كل صباح جريدة بآسم صوت الجنوب ، وكان فيها مكتبة عامرة، وغنية بمختلف الكتب القديمة والمعاصرة، مما شكلت لدي ، ولجيلي من المثقفين عادة القراءة ،وساهمت أيضا المكتبة العصرية و(ابو سعد )في السوق الكبير، وكذلك الكتب التي كان يستوردها شاكر الهاشمي في مخزنه.كل هذا لا بد أن يكون جواً مناسباً للدخول الى عالم الفن .
بعد انتقالك الى بغداد لدراسة المسرح كيف كانت تجربة تمثيل دور البطولة في “الإمبراطور جونز” ليوجين أونيل تحت إخراج سامي عبد الحميد، وتصميمك لديكور “ في انتظار غودو”؟
في عام 1964 تقدمت لمعهد الفنون الجميلة لدراسة المسرح، لكنهم رفضوني ، غير أن عنادي دفعني لتكملة امتحان الإعدادية للتقديم إلى الأكاديمية، وتحققت أمنية كنت مرعوبا من عدم نيلها، وقُبلتُ أنا والفنان فاضل خليل.وفتح أمامنا أفق جديد وبما أن الأهل لم يوافقوا على مشروعي الفني في دراسة المسرح فقد حرموني من أي مصروف، إضافة الى هذا لم نُقبل في القسم الداخلي ( في بلد غني مثل العراق )، فقد وافق فاضل خليل المعروف بكرمه على أن نتقاسم المصاريف التي كان يستلمها من أهله ، فقررنا السكن في أماكن شعبية جدا لرخصها، مثل سوق الهرج، والحيدر خانة، وبهذا أصبحت قريبا أيضا من الشخصيات الشعبية الغنية بالسحر والحكمة والأسطورة .
وفي الأكاديمية بدأت أمرن جسدي وذاكرتي ومخيلتي لمواجهة هذا العالم الجديد والشائك. كنت مسحورا بجو العاصمة، بسينماتها، وباراتها، وضجيجها، وبدجلة الذي يخترقها، و مسحورا بالتسكع في شارع الرشيد ظهرا في وقت “الاستفلاس”، أو الدخول إلى السينمات الرخيصة والأفلام الساذجة للنوم في الظل البارد ،أو الجلوس على ساحل دجلة في أيام الخريف نستحم بدفء يشعرك بالخدر.
المعروف عن الفنان سامي عبد الحميد الماهر في التمثيل وخلق الشخصيات على المسرح بكونه يحب دائما أن يمنح فرصاً جيدة للفنانين الشباب المتميزين لذلك فإن إسناده دور البطولة لي في مسرحية يوجين أونيل “الإمبراطور جونز” تعد فرصة مهمة لطالب مسرح مثلي آنذاك، وخاصة وهذا الدور يعتبر دورا معقدا ليس نفسيا ـ فقط ـ وإنما حركيا. ففي المسرحية الكثير من التأويل والرمز. وكانت بالنسبة لي تجربة فريدة في معرفة الكيفية التي يمكن للممثل إن يبدع جسديا بالرغم من أن الكثير من أعمال عبد الحميد تنحو نحو الواقعية، وفي هذه المسرحية، فإن المخرج أعطى شخصية الإمبراطور إلى ممثلين اثنين بدلا من واحد، وهذا أضاف عمقا جديدا للعمل.
وقد فتح لي سامي عبد الحميد أفقا جديدا عندما اسند لي ـ وأنا مازلت طالبا ـ مهمة تصميم ديكور مسرحية في “انتظار غودو” الذي كان يركز على فكرة الزمن والعدم من خلال التعبير عن اللاشئ، فتحولت أغصان شجرة الانتظار إلى أميال الساعة، والتأكيد على أن شجرة الحياة فارغة، ومنخورة، مما منح الديكور إمكانية خروج الصبي من داخل الشجرة ، ليخبر الأفاقين في نهاية كل فصل رسالة غودو في عدم مجيئه، ويعدهم بالمجئ غدا.
في مسرحية”عرس الدم” لغارسيا لوركا، منحني الفنان جعفر السعدي إمكانية التجاوز على الذات عندما أسند لي دور البطولة، وجعلني أشعر بشفافية الشعر، وتراجيديته على المسرح، لدرجة تتحول حركة الجسد إلى قيمة شعرية في الفضاء.
اثناء دراستك التحقت بفرقة المسرح الفني الحديث ـ ومثلت في مسرحية النخلة والجيران التي مازال الجمهور يتذكرها ، وامام أهم الفنانيين في المسرح العراقي ـ حدثنا عن هذه الفرصة.
فرقة المسرح الفني مدرسة مهمة كونت فكري المسرحي وذاتي كإنسان، هي عالم جديد يخلق فناً ذات قيمة فنية عالية، تعتبر هذه الفرقة بيتا للفنانين الرافضين، وغير المتكيفين مع النظام السابق ، تلك العائلة الفنية التي كانت مهمتها المساهمة في تطوير الوعي الاجتماعي والجمالي لأنها تميزت بكونها تعتمد على أهم المناهج الفنية العالمية ، ويتنوع ريبرتوارها المسرحي (برنامجها) بين واقعية وشعبية المسرحيات العراقية المعاصرة إلى المسرحيات العربية والعالمية.لذلك فإن الثيمة الرئيسية في عملها هي علاقة الإنسان ومجتمعه. لذلك فإنها كانت تقدم فنا مسرحيا متطورا، يتسم بواقعيته،وصدقه،مما أدى إلى خلق جمهور كبيرو متنوع ، جمهور من البسطاء والنخبة ،سواء من العاصمة أو المحافظات ، و يثير هذا بالتأكيد حقد أجهزة النظام القمعية والصحفية والإعلامية ، لذلك فإن السلطة، كانت تضع العراقيل المختلفة أمام إنتاج الفرقة المسرحي، بسبب المعالجات السياسية والاجتماعية في المسرح العراقي، والتي يحاول تحقيقها فنان الفرقة، والفرق الأخرى غير المتكيفة مع أهداف السلطة ،وكانت ضرورية لتطوير وعي الشعب العراقي .
في مسرحية النخلة والجيران لقاسم محمد ، وعلى خشبة المسرح وقفت لأول مرة كممثل( مازلت طالباً)أمام الفنان خليل شوقي وزينب ويوسف العاني وسامي عبد الحميد وناهدة الرماح وروميو يوسف وعبد الجبار عباس وفوزيه عارف ، في ذلك الزمن الذي أصبح ضبابيا في الذاكرة الآن. وعندما أصبحنا نحن الشباب أعضاء فيها،باركت الفرقة خطواتنا الفنية، واعتبرتنا رافدا شابا طموحا للمساهمة في مستقبل المسرح العراقي . فرصة تمثيل دور الشقي “ ابن الحولة “ كانت مناسبة عندما اضطر ممثل الدور السفر للإلتحاق بالوظيفة في خارج العراق ، عندها رشحني الفنان قاسم محمد المعد ومخرج المسرحية عن نص لغائب طعمه فرمان . شخصية ابن الحولة عنيف وقاس والتمايز الذي اضفته لها هي أنها تمارس عنفها بهدوء وبلا ضجيج وانما بسرية غامضه وهذا بالتاكيد عكس الصراخ والحركة العنيفة التي اعاتاد عليها الكثير من الفنانيين العراقيين .
ما سر مفهوم «مسرح الصورة» ، وإسلوب حميد محمد جواد، خاصة في إخراج «هاملت» الذي حذف الشبح لأسباب عقلانية؟
لا أنسى الصدفة التي علمتني التوغل في عالم شكسبير الذي منحني الكثير في تعلم ـ ليس الفن فحسب ـ وإنما الحياة أيضا،وستمنحني «هاملت» أفقا جديدا ، وقد خدمتني هذه الصدفة باللقاء بالفنان ومدرس المسرح في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة الواسع المعرفة والخيال وصاحب الوعي البصري حميد محمد جواد العائد لتوه في من موسكو عام 1965 بعد أن أنهى دراسة السينما في موسكو ، وبدأ تدريس المسرح في معهد الفنون الجميلة،وهو يمتلك القدرة على الدخول إلى قلب الآخر سريعا،بسبب روحه التمردية على البيروقراطية،والسخرية من الفن كوظيفة وتاكيده الدائم على أن الفن هو الإبداع ، وعلى الصنمية في التفكير، والتعامل مع المسرح بصوفية .إن وعي حميد وثقافته الفنية والفلسفية ودعوته لتبني الفن بمفهومه الجمالي الخالص، وكثافة الإحساس بالزمن، وعبثية الوجود، وميله إلى العزلة ،والعزوف عن المغريات التي تمنع الفنان من ممارسة الفن كوجود ، كل هذه الأسباب كانت سببا في أن تتحلق حوله مجموعة من الطلبة الأكثر طموحا وتمردا، وسنرتبط به مصيرا للغور في تأمل الفن وعمل المسرح ،وأصبح معروفا بين أوساط الفن ، مما خلق لدينا مفهوما جديدا في العملية المسرحية وهو مفهوم «مسرح الصورة» وفي الحقيقة فأن حميد جواد هو اول من طرح هذا المفهوم وقتذاك ،واستطاع أن يحقق هذا عندما أخرج مع طلبته مسرحية «هاملت»، فبالإضافة للتحليل الفلسفي الوجودي لماساة الأمير الدنمركي وشكسبير،فإن المخرج التزم بالنظرة الشمولية المقرونة بالحس التعبيري الفني المتفرد في كل شئ، في الحركة، أو التكوين، أو الرؤيا الإخراجية، أو الديكور الذي صممه هو كديكور تجريدي رمزي معبر له دلالات شاملة،والذي امتد إلى قاعة المشاهدين، وهو توجه يذكرنا بذات النهج للمخرج السويسري وأدلف آبيا، أو الانكليزي جوردون كريج الذين اهتما بعلاقة الكتلة بالفضاء ، إضافة إلى حذفه للشبح الذي يمثل والد هاملت، وبالرغم من خطورة هذا الأمر، إلا أن حميد جواد يبرر ذلك بكون عصر شكسبير يؤمن بالخرافات والأشباح، وهذا لا يتناسب مع عقلانية عصرنا . وكحل إخراجي فإن المخرج جعل هاملت يرى شبح والده الملك المقتول في داخله،في بصيرته ، ووعيه مكنونات روحه وأعماقها، فخلق ديالوجا بينه وبين الشبح الداخلي،السري الذي يوسوس في دواخل هاملت،كتحليل لما يراه من الفساد والعفن الذي حل في الدنمارك نتيجة لقتل الملك الحقيقي و لاغتصاب العرش من قبل الملك الجديد عم هاملت ، ولهذا فإن هذه المعالجة لم يسبق لها مثيل .لم أمثل في المسرحية إلا أنني تابعت إعدادها وإخراجها خطوة إثر أخرى ، لدرجة أنني حفظت المسرحية ظهرا على قلب ، ولهذا فان هذا الرافد العظيم، أثر في مسار تفكري الفني ،كما أثر في مستقبل المسرح العراقي، وأثر في تكوين رؤى الجيل المسرحي الستيني.
وفي سنوات المنفى كنت على اتصال تام مع مشاريع حميد محمد جواد السينمائية والمسرحية ، وحاول بعد سنوات من تحقيق أفكاره الجديدة، إنجاز عمله الضخم التالي وهو إعداد “الإخوة كرامازوف” وتحقيق العرض في ساحة الأكاديمية بديكور ضخم، وبالهواء الطلق، كأنه هياكل خرافية ، و أيضا التف حوله جيل من الطلبة الفنانين المبدعين لتحقيق أفكار جديدة في تفسير الإخوة من خلال التأكيد على التصادمات الكونية التي تبدو أبدية ، ولم يرى العمل النور بسبب بدء الحرب العراقية الإيرانية، والتفاف زملاء المهنة لقبر التجربة عمداً. والآن يعيش حميد منعزلا في منفاه الباريسي منقطعا عن الآخرين تماما، متوحدا مع غربته كفنان عراقي سرق زمنه الإبداعي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

كيف عاش الفلاسفة الحُبَّ؟

نادية هناوي.. الابداع والمشروع المعرفي مواجهة المرض

موسيقى الاحد: إيڤان فيشر

"الرجل الذي عاش تحت الأرض" والوجودية الادبية

في روايته "الجسد": ديفيد زالاي يُحطّم أوهام شاب مجري هاجر إلى الغرب

مقالات ذات صلة

الـمـعـمـار رفـعـة الجـادرجـي
عام

الـمـعـمـار رفـعـة الجـادرجـي

بلقيس شرارة منذ مئة عام ولد رفعة الجادرجي في السادس من شهر كانون الأول، وقد ولد في عائلة تختلف عن العائلات التقليدية في بغداد آنذاك. فقد كان والده لبراي/ liberal التفكير ومنفتح على ما...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram