TOP

جريدة المدى > خاص بالمدى > الشباب في مواجهة اقتصاد ريعي.. بطالة تتصاعد ومبادرات بلا أثر حاسم

الشباب في مواجهة اقتصاد ريعي.. بطالة تتصاعد ومبادرات بلا أثر حاسم

 بغداد/تبارك عبدالمجيد تتسع فجوة الثقة بين الخطاب الحكومي بشأن تمكين الشباب اقتصادياً، والواقع الذي تعكسه مؤشرات البطالة في العراق خلال عام 2025. فبينما تعلن الحكومة عن حزم توظيف ومبادرات لدعم المشاريع الصغيرة، تشير البيانات إلى استمرار الأزمة، في ظل اقتصاد ريعي محدود البدائل وعجز سوق العمل عن استيعاب أعداد الخريجين المتزايدة. ورغم إعلان حكومة محمد شياع السوداني عن حزم توظيف ومبادرات لدعم المشاريع الصغيرة وتمكين الشباب اقتصادياً، منها تخصيص آلاف الدرجات الوظيفية في وزارتي الصحة والتربية، وتشغيل الشباب بعقود مؤقتة، إلى جانب توسيع شبكة الحماية الاجتماعية، فإن مؤشرات البطالة لا تزال ترسم صورة مغايرة لطموحات الخطاب الرسمي. وبحسب تقييم موقع Trading Economics، جاء العراق ضمن قائمة أعلى عشر دول عربية من حيث معدلات البطالة خلال عام 2025، ما يعكس استمرار الأزمة رغم المبادرات المعلنة. الحكومة أكدت في أكثر من مناسبة إطلاق برامج قروض وصفتها بـ«الميسرة»، وتسهيلات مالية موجهة إلى شريحة الشباب بهدف تحفيز ريادة الأعمال وتقليل الاعتماد على الوظيفة الحكومية. غير أن عدداً من الشباب يرون أن شروط تلك القروض، من فوائد وضمانات وتعقيدات إدارية، لا تنسجم مع أوضاعهم الاقتصادية الهشة. تحولت رحلة عمار (27 عاماً)، خريج منذ ثلاث سنوات، في البحث عن فرصة عمل إلى مسار طويل من الانتظار. ويقول إنه قدم عشرات الطلبات في القطاعين العام والخاص، إلا أن النتيجة غالباً ما تكون بلا رد، أو بعروض برواتب متدنية لا تكفي لتغطية تكاليف النقل والالتزامات المعيشية الأساسية. ويشير إلى مفارقة يصفها بـ«المحبطة»، إذ تشترط معظم شركات القطاع الخاص خبرة تمتد لخمس سنوات أو أكثر، في وقت لم تتح له فرصة حقيقية لاكتساب تلك الخبرة. ويضيف أن كثيراً من الإعلانات تتضمن مواصفات يراها «تعجيزية» لخريج حديث نسبياً، ما يجعل باب التوظيف شبه موصد أمامه. وعن القروض الحكومية، يوضح أنها لم تكن بعيدة عن تفكيره، لكنها ظلت خياراً محفوفاً بالحذر. ويقول إن تجربة أحد أصدقائه مع تسديد القرض دفعته إلى إعادة حساباته، مضيفاً: «القرض ليس مجرد مبلغ، بل التزام طويل يتطلب كفيلاً وضمانات، وفي حال تعثر المشروع تبقى تبعات الدين على عاتقنا، وهي تفاصيل أرى أن الحكومة لم تفكر بها جيداً». ويرى أن الإشكالية لا تكمن في فكرة القرض بحد ذاتها، بل في البيئة الاقتصادية المفترض أن تحتضن المشروع. ويضيف: «المشروع يحتاج إلى كهرباء مستقرة، وسوق قادرة على استيعاب منتج جديد، ودعم حقيقي في مراحله الأولى، وفي ظل غياب هذه التفاصيل يكون التمويل عبئاً إضافياً علينا». ويعبر عن رغبته في الهجرة، لكنه يصفها بخطوة محفوفة بالمجازفة. ويستدرك قائلاً إن الشباب يفتقرون إلى شبكة أمان مالية تحميهم من تداعيات الفشل، لا سيما في فترات الركود وارتفاع الأسعار كما يحصل حالياً، حيث يتحملون وحدهم نتائج المغامرة. أما المبادرات المعلنة لدعمهم، فيرى أنها غالباً ما تبقى في إطار الخطاب الإعلامي دون أثر ملموس في الواقع، مضيفاً: «كنا نعتقد أن نهاية سنوات الدراسة سيصاحبها أمان وظيفي حكومي». تعتمد ميزانية العراق بالدرجة الأساس على عائدات النفط، ما يجعله عرضة للتقلبات العالمية، ويؤثر مباشرة في قدرة الدولة على توفير فرص العمل، خاصة مع تسارع النمو السكاني وتزايد أعداد الخريجين، في ظل محدودية الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية. وفي السياق ذاته، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عبد ربه أن أسباب ارتفاع البطالة في العراق لعام 2025 تعود «بالدرجة الأساس إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد المعتمد على النفط، وضعف القطاع الخاص، وتسارع النمو السكاني مقابل محدودية فرص العمل». ويشير إلى وجود «فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، مع تراجع قدرة القطاع العام على استيعاب الخريجين كما كان سابقاً». ويؤكد عبد ربه لـ«المدى» أن «استمرار البطالة يضعف النمو الاقتصادي ويقلل الطلب المحلي ويزيد الضغط على الموازنة العامة». وعلى الصعيد الاجتماعي، يقول إنها «تنعكس على الشباب من خلال تعزيز شعورهم بالإحباط والتفكير بالهجرة، وتدني مستوى المشاركة الاقتصادية بين النساء وتعميق الفجوة التنموية». ويشدد على أن المعالجة المستدامة تتطلب تنويع «الاقتصاد بعيداً عن النفط»، مستشهداً بأهمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح التعليم والتدريب المهني، وتحسين بيئة الاستثمار لتمكين القطاع الخاص من خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة. من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد زنكنة أن الحكومة تفتقر إلى التخطيط الجاد لمواجهة التحديات التي تواجه المجتمع ومؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن معظم المشاريع المعلنة لا تتجاوز كونها «حبراً على ورق»، ولا تقدم حلولاً حقيقية للمشكلات المتفاقمة، وفي مقدمتها البطالة. وأوضح زنكنة لـ«المدى» أن «المشاريع الوهمية تستنزف الأموال والميزانيات العامة دون تحقيق نتائج ملموسة»، لافتاً إلى أن البطالة ما زالت قائمة وتتزايد أعدادها، خاصة بين فئة الشباب. وعن القروض الحكومية، يقول: «ما يعلن عنه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من قروض ومشاريع مرتبطة بالقطاع الخاص يفتقر إلى الأطر القانونية والتنظيمية»، مشيراً إلى أن التقصير يشمل المنظومة الحكومية. ويرى أن الحكومة عاجزة عن محاسبة الأطراف غير المؤهلة التي تُسند إليها مهام تنفيذ المشاريع، فضلاً عن استمرار الأزمات السياسية وغياب التوافق وإدارة الدولة بشكل فاعل. ويعتبر زنكنة أن هذه المعطيات تؤكد أن المشاريع المعلنة ليست سوى دعاية إعلامية للاستهلاك المحلي، تهدف إلى تجميل صورة الحكومة الحالية. ويختم بالقول إن الدولة لا تتعامل مع ملف البطالة وفق أسس قانونية واضحة، في ظل تغييب شبه كامل للقطاع العام، وهيمنة الميليشيات على القطاع الخاص، وانتشار المشاريع الوهمية وتهريب الأموال، ما يؤكد أن ما يُعلن عنه رسمياً لا يعدو كونه خطاباً إعلامياً دون أثر فعلي على أرض الواقع.

نشر في: 24 فبراير, 2026: 12:07 ص

 بغداد/تبارك عبدالمجيد

تتسع فجوة الثقة بين الخطاب الحكومي بشأن تمكين الشباب اقتصادياً، والواقع الذي تعكسه مؤشرات البطالة في العراق خلال عام 2025. فبينما تعلن الحكومة عن حزم توظيف ومبادرات لدعم المشاريع الصغيرة، تشير البيانات إلى استمرار الأزمة، في ظل اقتصاد ريعي محدود البدائل وعجز سوق العمل عن استيعاب أعداد الخريجين المتزايدة. ورغم إعلان حكومة محمد شياع السوداني عن حزم توظيف ومبادرات لدعم المشاريع الصغيرة وتمكين الشباب اقتصادياً، منها تخصيص آلاف الدرجات الوظيفية في وزارتي الصحة والتربية، وتشغيل الشباب بعقود مؤقتة، إلى جانب توسيع شبكة الحماية الاجتماعية، فإن مؤشرات البطالة لا تزال ترسم صورة مغايرة لطموحات الخطاب الرسمي.
وبحسب تقييم موقع Trading Economics، جاء العراق ضمن قائمة أعلى عشر دول عربية من حيث معدلات البطالة خلال عام 2025، ما يعكس استمرار الأزمة رغم المبادرات المعلنة. الحكومة أكدت في أكثر من مناسبة إطلاق برامج قروض وصفتها بـ«الميسرة»، وتسهيلات مالية موجهة إلى شريحة الشباب بهدف تحفيز ريادة الأعمال وتقليل الاعتماد على الوظيفة الحكومية. غير أن عدداً من الشباب يرون أن شروط تلك القروض، من فوائد وضمانات وتعقيدات إدارية، لا تنسجم مع أوضاعهم الاقتصادية الهشة.
تحولت رحلة عمار (27 عاماً)، خريج منذ ثلاث سنوات، في البحث عن فرصة عمل إلى مسار طويل من الانتظار. ويقول إنه قدم عشرات الطلبات في القطاعين العام والخاص، إلا أن النتيجة غالباً ما تكون بلا رد، أو بعروض برواتب متدنية لا تكفي لتغطية تكاليف النقل والالتزامات المعيشية الأساسية.
ويشير إلى مفارقة يصفها بـ«المحبطة»، إذ تشترط معظم شركات القطاع الخاص خبرة تمتد لخمس سنوات أو أكثر، في وقت لم تتح له فرصة حقيقية لاكتساب تلك الخبرة. ويضيف أن كثيراً من الإعلانات تتضمن مواصفات يراها «تعجيزية» لخريج حديث نسبياً، ما يجعل باب التوظيف شبه موصد أمامه.
وعن القروض الحكومية، يوضح أنها لم تكن بعيدة عن تفكيره، لكنها ظلت خياراً محفوفاً بالحذر. ويقول إن تجربة أحد أصدقائه مع تسديد القرض دفعته إلى إعادة حساباته، مضيفاً: «القرض ليس مجرد مبلغ، بل التزام طويل يتطلب كفيلاً وضمانات، وفي حال تعثر المشروع تبقى تبعات الدين على عاتقنا، وهي تفاصيل أرى أن الحكومة لم تفكر بها جيداً».
ويرى أن الإشكالية لا تكمن في فكرة القرض بحد ذاتها، بل في البيئة الاقتصادية المفترض أن تحتضن المشروع. ويضيف: «المشروع يحتاج إلى كهرباء مستقرة، وسوق قادرة على استيعاب منتج جديد، ودعم حقيقي في مراحله الأولى، وفي ظل غياب هذه التفاصيل يكون التمويل عبئاً إضافياً علينا». ويعبر عن رغبته في الهجرة، لكنه يصفها بخطوة محفوفة بالمجازفة.
ويستدرك قائلاً إن الشباب يفتقرون إلى شبكة أمان مالية تحميهم من تداعيات الفشل، لا سيما في فترات الركود وارتفاع الأسعار كما يحصل حالياً، حيث يتحملون وحدهم نتائج المغامرة. أما المبادرات المعلنة لدعمهم، فيرى أنها غالباً ما تبقى في إطار الخطاب الإعلامي دون أثر ملموس في الواقع، مضيفاً: «كنا نعتقد أن نهاية سنوات الدراسة سيصاحبها أمان وظيفي حكومي».
تعتمد ميزانية العراق بالدرجة الأساس على عائدات النفط، ما يجعله عرضة للتقلبات العالمية، ويؤثر مباشرة في قدرة الدولة على توفير فرص العمل، خاصة مع تسارع النمو السكاني وتزايد أعداد الخريجين، في ظل محدودية الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية. وفي السياق ذاته، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عبد ربه أن أسباب ارتفاع البطالة في العراق لعام 2025 تعود «بالدرجة الأساس إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد المعتمد على النفط، وضعف القطاع الخاص، وتسارع النمو السكاني مقابل محدودية فرص العمل». ويشير إلى وجود «فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، مع تراجع قدرة القطاع العام على استيعاب الخريجين كما كان سابقاً».
ويؤكد عبد ربه لـ«المدى» أن «استمرار البطالة يضعف النمو الاقتصادي ويقلل الطلب المحلي ويزيد الضغط على الموازنة العامة». وعلى الصعيد الاجتماعي، يقول إنها «تنعكس على الشباب من خلال تعزيز شعورهم بالإحباط والتفكير بالهجرة، وتدني مستوى المشاركة الاقتصادية بين النساء وتعميق الفجوة التنموية».
ويشدد على أن المعالجة المستدامة تتطلب تنويع «الاقتصاد بعيداً عن النفط»، مستشهداً بأهمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح التعليم والتدريب المهني، وتحسين بيئة الاستثمار لتمكين القطاع الخاص من خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.
من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد زنكنة أن الحكومة تفتقر إلى التخطيط الجاد لمواجهة التحديات التي تواجه المجتمع ومؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن معظم المشاريع المعلنة لا تتجاوز كونها «حبراً على ورق»، ولا تقدم حلولاً حقيقية للمشكلات المتفاقمة، وفي مقدمتها البطالة. وأوضح زنكنة لـ«المدى» أن «المشاريع الوهمية تستنزف الأموال والميزانيات العامة دون تحقيق نتائج ملموسة»، لافتاً إلى أن البطالة ما زالت قائمة وتتزايد أعدادها، خاصة بين فئة الشباب.
وعن القروض الحكومية، يقول: «ما يعلن عنه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من قروض ومشاريع مرتبطة بالقطاع الخاص يفتقر إلى الأطر القانونية والتنظيمية»، مشيراً إلى أن التقصير يشمل المنظومة الحكومية. ويرى أن الحكومة عاجزة عن محاسبة الأطراف غير المؤهلة التي تُسند إليها مهام تنفيذ المشاريع، فضلاً عن استمرار الأزمات السياسية وغياب التوافق وإدارة الدولة بشكل فاعل. ويعتبر زنكنة أن هذه المعطيات تؤكد أن المشاريع المعلنة ليست سوى دعاية إعلامية للاستهلاك المحلي، تهدف إلى تجميل صورة الحكومة الحالية.
ويختم بالقول إن الدولة لا تتعامل مع ملف البطالة وفق أسس قانونية واضحة، في ظل تغييب شبه كامل للقطاع العام، وهيمنة الميليشيات على القطاع الخاص، وانتشار المشاريع الوهمية وتهريب الأموال، ما يؤكد أن ما يُعلن عنه رسمياً لا يعدو كونه خطاباً إعلامياً دون أثر فعلي على أرض الواقع.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

المهلة الأمريكية انتهت.. والولاية الثالثة تترنح

المهلة الأمريكية انتهت.. والولاية الثالثة تترنح

بغداد/ تميم الحسن انتهت، أمس، مهلة تضاربت الأقوال بشأن مصدرها: هل هي داخلية من «الإطار التنسيقي» أم أمريكية؟ وتتعلق هذه المهلة بإبعاد نوري المالكي نهائياً عن رئاسة الحكومة المقبلة، وإلا فإن بغداد قد تواجه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram