متابعة / المدى
يتصاعد الجدل الأمني والسياسي في العراق مع نقل آلاف المتهمين بالانتماء إلى تنظيم «داعش» من السجون السورية إلى العراق، في خطوة تثير تحذيرات من تداعيات محتملة على الأمن القومي، وتضع الأجهزة الأمنية والقضائية أمام اختبار مزدوج يتعلق بإدارة الملف قانونياً وأمنياً.
ويحذر النائب الإيزيدي في البرلمان العراقي، محما خليل، من خطورة استقبال من وصفهم بـ«مزبلة التاريخ»، مؤكداً أن «جيل داعش الثالث يمثل تهديداً كبيراً للأمن العراقي». ويقول لوكالة شفق نيوز إن «استقبال سجناء داعش من سوريا، وتبييض السجون هناك، ومجيء أكثر من خمسة آلاف داعشي يحملون جنسيات عشرات الدول إلى العراق، يمثل خطورة كبيرة».
ويدعو خليل إلى «ضرورة تعويض العراق مادياً ومعنوياً، ومساعدة القضاء العراقي لتنفيذ العقوبات بحق هؤلاء المجرمين، احتراماً لعوائل الضحايا في المقابر الجماعية بسنجار وسبايكر وبئر علو عنتر وحفرة الخسفة والمواقع الأخرى».
وتتزامن هذه التحذيرات مع ما كشفه موظف يعمل في منظمة دولية داخل مخيم الهول في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، إذ أفاد لوكالة شفق نيوز بأن «غالبية العوائل العراقية، التي كان يصل عددها إلى قرابة ألفي عائلة، فرّت من المخيم مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ووصول مقاتلي العشائر والقوات الحكومية إلى المخيم».
وأكد الموظف، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، أن «قسم العوائل الأجنبية شهد فراراً شبه جماعي في أول يومين من انسحاب (قسد)، حيث هربت أغلب العوائل إلى إدلب وحلب بمساعدة سوريين قدموا إلى المخيم، فيما دخلت بعض العوائل الأراضي العراقية واللبنانية عبر طرق التهريب».
وأشار إلى أن «غالبية العوائل العراقية التي غادرت المخيم دخلت الأراضي العراقية عبر طرق التهريب، وآخرين استقروا في مناطق سورية مختلفة، حيث تزوج العديد من العراقيين من سوريات، وكذلك عراقيات تزوجن من سوريين، فيما نقلت الحكومة السورية عشرات العوائل العراقية التي رفضت العودة إلى العراق من مخيم الهول إلى مخيم أق برهان في ريف حلب».
وفي سياق متصل، كشفت مدير عام شؤون الناجيات الإيزيديات في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، سراب إلياس، الثلاثاء الماضي (17 شباط/ فبراير الجاري)، عن تورط ثلاثة عناصر من «داعش» في جرائم سبي إيزيديات بعد نقلهم من السجون السورية إلى العراق. وأوضحت أن «التحقيقات الأولية تشمل أكثر من 400 عنصر من التنظيم، وأن المتهمين الثلاثة متورطون بسبي إيزيديات في قضاء سنجار، فيما تتواجد إحدى الضحايا في ألمانيا».
وأضافت أن التحقيقات تأتي ضمن «الوجبة الأولى من سجناء داعش الذين خضعوا للاستجواب من قبل لجان قضائية وأمنية مختصة، فيما يستمر العمل لاستكمال الملفات القانونية بحقهم».
من جانبه، يصف الخبير الأمني والاستراتيجي أحمد الشريفي العناصر المنقولة بأنهم «أشرس العناصر، مؤدلجون بشكل كبير، وإعادة دمجهم اجتماعياً ضرب من الخيال». ويشير إلى أن «الخطر الحقيقي يكمن في كيفية السيطرة عليهم والحفاظ عليهم في السجون، خصوصاً في ظل احتمالية اضطراب أمني قد ينجم عن تصاعد التوترات الإقليمية، أو صدام محتمل بين أميركا وإسرائيل ضد إيران وتأثيره على الفصائل المسلحة في العراق».
ويأتي ذلك في ظل إعلان فصائل عراقية مسلحة اصطفافها مع إيران، وفتح مراكز لتطوع «الاستشهاديين» استعداداً لما وصفته بـ«الحرب الشاملة» ضد «الغطرسة الأميركية الإسرائيلية»، وسط صمت حكومي.
ويحذر الشريفي والخبير الأمني عدنان الكناني من احتمال تحويل العراق إلى «ساحة لتصفية الحسابات»، في وقت أكدت فيه الولايات المتحدة تعزيز قواتها في المنطقة. ويقول الكناني إن «وجود عناصر متمرسة بالقتل والتعذيب بين المعتقلين يشكل اختباراً حقيقياً للأجهزة الأمنية العراقية»، مشدداً على أن «إيواء هؤلاء سيخلق جبهتين داخلية وخارجية، وقد يسهل البعض إطلاق سراحهم أو تهريبهم، ما يجعل الأراضي العراقية ملتهبة».
ويلفت الشريفي إلى أن «التحدي السياسي يشمل مخاطبة الدول الأصلية للعناصر المعتقلة، وإدارة ملفات أكثر من 60 جنسية، وفي حال رفضت بعض الدول استرجاع مواطنيها، فسيكون العراق مضطراً لإيجاد حلول داخلية، مع الحفاظ على أمن السجون في حال حدوث أي اضطراب».
في المقابل، يؤكد الخبير الأمني سيف رعد أن «السجون مؤمنة بشكل كبير، وهناك خطة خاصة لحمايتها»، مشيراً إلى أن «التحقيقات ستكشف معلومات عن الخلايا النائمة داخل المجتمع والدول التي دعمت التنظيم على مدى السنوات الماضية، ما سيصب في مصلحة الأمن القومي العراقي ويحد من استخدامهم كورقة ضغط من قبل فواعل إقليمية ودولية».
ويختتم النائب محما خليل بالقول إن «العالم مدين للعراق الذي قضى على طوفان داعش، واليوم يستقبل هذه مزبلة التاريخ، ويجب أن نضمن عدم إعادة إنتاجها داخل أراضينا».
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ العدد الإجمالي للمنقولين إلى السجون العراقية 5704 متهمين ينتمون إلى 61 جنسية مختلفة، فيما أعلن مجلس القضاء الأعلى، الاثنين الماضي (16 شباط/ فبراير الجاري)، إكمال الاستجواب الابتدائي لأكثر من 500 معتقل من المنقولين.
وكان المجلس الوزاري للأمن الوطني قد وضع خارطة متكاملة وشكّل لجنة أمنية موحدة للإشراف على نقل المعتقلين، فيما أعلنت القيادة المركزية الأميركية إتمام المهمة التي استمرت 23 يوماً لضمان احتجازهم في مرافق آمنة.
يُذكر أن تنظيم «داعش» كان قد استولى في حزيران/ يونيو 2014 على محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك، قبل أن تعلن بغداد نهاية عام 2017 استعادة كامل الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم، والتي بلغت نحو ثلث مساحة العراق. كما انتهى الوجود الجغرافي للتنظيم في سوريا بانهيار آخر معاقله في الباغوز فوقاني في آذار/ مارس 2019، بعد معارك مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، إلا أن التنظيم لا يزال يشكل تهديداً عبر خلاياه النائمة وتنفيذ هجمات متفرقة.
«قنابل موقوتة من الجيل الثالث» تختبر جاهزية الأمن العراقي
نقل 5704 متهمين من 61 جنسية يفتح ملف السجون والاحتواء القانوني

نشر في: 24 فبراير, 2026: 12:10 ص









