TOP

جريدة المدى > خاص بالمدى > شحّ المياه والأعلاف يهددان الثروة الحيوانية في بادية السماوة

شحّ المياه والأعلاف يهددان الثروة الحيوانية في بادية السماوة

تراجع الأمطار وارتفاع الملوحة يدفعان المربين إلى بيع قطعانهم

نشر في: 25 فبراير, 2026: 12:04 ص

 السماوة / كريم ستار

تواجه بادية السماوة في محافظة المثنى أزمة متفاقمة نتيجة شحّ المياه وانحباس الأمطار وارتفاع أسعار الأعلاف، ما أدى إلى تقلص أعداد قطعان الأغنام وتضرر مئات العائلات التي تعتمد على النشاط الرعوي مصدراً رئيساً للرزق.

وعلى أطراف بادية السماوة، يقف أبو حيدر، أحد مربي الأغنام، إلى جانب قطيع تقلّص عدده إلى النصف خلال عام واحد. يقول: “لم يعد المطر كما كان، والمرعى اختفى. نشتري العلف بأسعار مضاعفة، ونبيع بخسارة حتى نستمر”. ويؤكد أن كثيراً من المربين اضطروا إلى بيع جزء كبير من مواشيهم لتأمين قوت ما تبقى منها.
بدوره، يوضح أبو سجاد، وهو مربٍ آخر من البادية، أن شحّ المياه أجبره على حفر بئر بكلفة مرتفعة، لكنها لم توفّر الكمية الكافية. ويضيف: “نخشى الصيف أكثر من أي وقت مضى، إذ بدأت بعض العائلات فعلاً بمغادرة المنطقة نحو المدينة بحثاً عن عمل بديل”.
وتعكس هذه الشهادات واقعاً متدهوراً في البادية، حيث أدّى تراجع الغطاء النباتي وارتفاع أسعار الأعلاف إلى مستويات غير مسبوقة إلى دخول المربين واحداً من أقسى المواسم، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية في المحافظة مع تسجيل موجة واسعة من تسريح العمال.
مدير زراعة المثنى، محمد حمادي، يؤكد أن “مربي الأغنام تكبدوا خسائر كبيرة بسبب نقص الأعلاف وقلة تساقط الأمطار الذي يُعد عاملاً أساسياً في توفير المراعي الطبيعية”. ويشير إلى أن “العديد من المربين اضطروا إلى بيع جزء من قطعانهم لتأمين ثمن العلف للمتبقي، وسط غياب أي إجراء فعلي لدعمهم، نتيجة ارتباط المديرية فنياً بوزارة الزراعة، الجهة المسؤولة عن تقديم الدعم المركزي”.
ويضيف حمادي أن “لا خطط مستقبلية واضحة لدعم المربين، في ظل إجراءات حكومية من بينها إيقاف استلام محصول الشعير الذي كان يُوزّع مدعوماً، ما حرم المربين من مصدر أساسي لتغذية مواشيهم”. ويبيّن أن عدم وصول الحصة المائية الكافية إلى المحافظة أثّر في التنسيق مع وزارة الموارد المائية، وتسبب بهجرة مربي الجاموس إلى مناطق أخرى، خصوصاً مع تراجع المياه في هور “صليبيات”، فيما يعتمد مربو بادية السماوة على الآبار والأمطار الشحيحة. من جهته، يوضح رئيس شعبة زراعة السماوة، محمد الجياشي، أن الأزمة لا ترتبط بالمناخ فقط، بل تشمل تجاوزات على أراضٍ مخصصة للرعي، إذ قامت جهات وأشخاص بزراعتها، ما قلّص المساحات المتاحة أمام القطعان. ويقول إن “غياب الدعم الحكومي منذ سنوات دفع المربين إلى عدم تسجيل مواشيهم رسمياً، كما أن انتقالهم المستمر خارج نطاق الشعبة يجعل حصر الأعداد مهمة معقدة”، داعياً إلى تشكيل لجان مشتركة بين الشعب الزراعية والمستشفى البيطري لإجراء إحصاءات دقيقة.
في الميدان، تتضاعف كلفة إطعام القطيع عدة مرات، بالتزامن مع تراجع أسعار البيع نتيجة ضعف القدرة الشرائية. ويقول أحد المربين: “كنا نعتمد على المطر والمرعى الطبيعي، أما اليوم فنشتري كل شيء، والكثير باعوا مواشيهم أو غادروا المنطقة نهائياً”. ويؤكد أبو زينب، أحد تجار الأعلاف في السماوة، أن الأسعار ارتفعت بسبب محدودية المعروض وارتفاع تكاليف النقل، فضلاً عن تذبذب تجهيز الشعير المدعوم. ويضيف: “سلاسل التوريد تأثرت بالأزمة الاقتصادية العامة، ما انعكس مباشرة على المربين الذين يشترون بالأجل أو يضطرون للبيع بخسارة”.
الأزمة في المثنى ترتبط بسياق وطني أوسع، إذ يواجه العراق أزمة مياه تُعد الأسوأ منذ ثمانين عاماً، مع تراجع مخزونه الاستراتيجي إلى مستويات حرجة. ويعتمد أكثر من 70% من موارده المائية على مصادر خارج حدوده، وقد تراجعت الإيرادات بفعل بناء السدود في دول المنبع، ولا سيما سد أليسو في تركيا، إلى جانب التغيرات المناخية وقلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وسنوات متتالية من الجفاف. وتشير تقديرات رسمية إلى أن حصة العراق المائية انخفضت إلى أقل من 40% مما كانت عليه سابقاً.
في المثنى، انعكست هذه التطورات بارتفاع ملوحة مياه نهر الفرات إلى نحو 3000 جزء في المليون، وهو مستوى يتجاوز الحد الآمن للاستخدام البشري. ويقول معاون محافظ المثنى للشؤون الزراعية والموارد المائية، يوسف سوادي جبار، إن “ضعف الإطلاقات المائية من المنابع هو السبب الرئيس لارتفاع الملوحة والتلوث، ما جعل المياه غير صالحة للشرب أو الري في مناطق واسعة من المثنى”.
كما أعلن مدير ماء المثنى، محمد طالب، أن المحافظة تواجه أزمة خانقة نتيجة الانقطاع التام لمياه نهر الرميثة، ما تسبب بتوقف أغلب مشاريع الإسالة وتراجع كميات المياه الخام الواصلة إلى محطات التصفية، وانعكس مباشرة على تجهيز المواطنين بمياه الشرب. ويضيف: “نطالب وزارة الموارد المائية بالتدخل العاجل لإطلاق حصص مائية كافية، وندعو المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك بنسبة لا تقل عن 50%”.
وتشير التقارير إلى خروج نحو نصف الأراضي الزراعية من الخدمة، وتضرر 27 مليون دونم، لا سيما في مناطق الوسط والجنوب والأهوار، بالتزامن مع تفاقم التصحر وارتفاع معدلات الملوحة. كما تراجعت المساحات المزروعة في المثنى من 350 ألف دونم إلى 50 ألفاً فقط خلال المواسم الماضية، بخسارة إجمالية بلغت 300 ألف دونم.
الخبير الاقتصادي محمد خلف يحذر من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الحيواني وارتفاع أسعار اللحوم ومشتقاتها، ما يضغط على الأمن الغذائي الوطني. ويقول إن “الثروة الحيوانية في البادية تمثل ركيزة اقتصادية واجتماعية، وفقدانها يعني خسارة مصدر دخل لآلاف العائلات وتفاقم البطالة وزيادة الهجرة الداخلية”.
في ظل هذه المعطيات، تبدو بادية السماوة أمام مفترق طرق، إذ قد يؤدي استمرار شحّ المياه وغياب الدعم إلى انكماش شبه تام للنشاط الرعوي وتحول مساحات واسعة إلى أراضٍ مهجورة، فيما تبقى دعوات تنظيم حفر الآبار وتفعيل الدعم العلفي وضمان حصة مائية عادلة بانتظار قرارات مركزية لم تتبلور بعد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

"انغلاق تام" في أزمة تشكيل الحكومة.. والمالكي: "لا تراجع ولا استسلام"

انقلاب الـ24 ساعة.. تراجع المالكي وصعود السوداني المشروط

المهلة الأمريكية انتهت.. والولاية الثالثة تترنح

«الإطار» يفكر بـ«لاعب ظل»: لن يتكرر خطأ حكومة عبد المهدي

مستشارو السوداني تحت “مقصلة التقشف”.. تموضع سياسي أم إصلاح اقتصادي؟

مقالات ذات صلة

المالكي يسيطر على

المالكي يسيطر على "الانقلاب": صار يرأس ائتلافين ويملك 81 مقعداً!

بغداد/ تميم الحسن أحبط نوري المالكي ما وُصف داخل الأوساط السياسية بـ«الانقلاب السياسي» عليه، رغم اتساع جبهة المعارضين الشيعة لتوليه منصب رئيس الوزراء. وعاد «الإطار التنسيقي» إلى مربع الانتظار، مترقباً إما تنازل المالكي، أو...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram