TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

نشر في: 25 فبراير, 2026: 12:01 ص

د. حيدر نزار السيد سلمان

تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم على أساس الهوية الوطنية ولا يمكن ربطه بمحاور وتحالفات وهويات فرعية تأكل من استقلاله وسيادته وتمزق نسيجه الاجتماعي على أسس دينية ومذهبية وعرقية. ويمثل الثاني الذين لا يرون في العراق القدرة على البقاء بحالة الاستقلال الكامل عن الأحداث الخارجية والنأي بالنفس عن الأوضاع الإقليمية وضرورة الأخذ بنظر الاعتبار لروابط ما قبل الدولة الوطنية. والأمر المثير بغرابته أن هذه المعارك وإعلان الولاءات بين الوطنية والمذهبية على سبيل المثال أخذت بالانكشاف بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق.
قد يمكننا القول أن هذه المدة التاريخية تشهد أقسى نوع لِلصراع ولِفرض الوجود بين الموالين لخارج البلاد المدافعين بشراسة عن ولائهم الأجنبي وبما يملكونه من قوّة وسلطة، وبين الوطنيين عشّاق العراق وحده لا شريك له الذين ليس لهم إلا هذا العشق. صراع غير مسبوق في تاريخ بلاد الرافدين بين مَن يريدون دولةً سيدةً بهويةٍ وطنية عراقية، وبين كارهي العراق القوي بمواطنيه بغض النظر عن هوياتهم الفرعية.
يستند الوطنيون العراقيون إلى عقيدة وطنية ممزوجة بروح تتطلّع إلى مجد البلاد وتاريخها المجيد وحب عارم لِكل ما هو عراقي خالص، يشعرون أن كرامتهم الوطنية تعرضت لثلمة نتيجة خضوع بلدهم وسلطاته إلى تدخلات وإملاءات أجنبية متعددة المصادر، في الوقت الذي يواجهون صعوبةً بالغة في الدفاع وصد هجمات الآخرين، إذ توجَّه لهم أشنع الاتهامات والنعوت، وهنا تأتي الغرابة في خوف الوطني وخشيته من إعلان ولائه المحض لوطنه ورفضه كلّ التبعيات لِلخارج التي يرى فيها الموالون لهذا الخارج أنها لا تتعارض مع العراقية. ويتحجج هؤلاء بكون الدين والمذهب يأتي بالمقدمة على حساب الرابطة الوطنية، وإن فكرة «الوطنية» ما هي إلا فكرة غربية لا يمكن الأخذ بها وإحلالها محلّ الروابط الدينية والمذهبية. ومن الملاحظ أن هناك من يُغذّي بكثافة هذه النزعة ويحاول فرضها وإبقاء الصراع الطائفي محتدمًا، الأمر الذي سيُبقي العراقَ يراوح بمكانِه موصوفًا بالضعف والخضوع لإرادات الخارج.
يمكن الاطلاع المعرفي لتمثلات هذه المعارك والصراعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تبرز حقيقة هذه المعارك وجبهاتها المستعرة من خلال منشورات ومقالات الطرفين. وبينما يحاول رافعو لواء الوطنية العراقية التذكير بالتاريخ العراقي ورموزه الفكرية والثقافية والتاريخية وأهمية أن يكون العراق متبوعًا مؤثرًا قويًا وحتّى التفاخر بالعراقوية الأصيلة كهويةٍ جامعة تتجاوز الأطر التقليدية، كما تتمظهر خطابات الدفاع عن المصالح العليا لِلبلاد كاستراتيجية وطنية لا بد أن تسود سياسيًا، وضرورة الحفاظ على التراث العراقي والدفاع عن الشخصية الثقافية العراقية المميزة، فبالمقابل هناك من يفرض حالةَ إقصاء الرمزيات العراقية الاجتماعية والثقافية والأكاديمية كما في حالة النَيل من الجواهري والوردي، واستهداف الشخصية الوطنية العراقية بسيلٍ هائل من التشكيك وتقليل الشأن وإسكات الأصوات الرافضة لِلخضوع لخطاب الهيمنة وسلب الروح الوطنية وتفضيل الانقسامات المجتمعية. وفي حماسةٍ مُبهرة يدافع عشّاق العراق الواحد بشراسة عن كل ما يتعلّق ببلدِهم، مدركين أن الهدف الذي يقف خلف تحطيم الوطنية العراقية يتمثّل في إضعاف وإنهاك النسيج الاجتماعي وقتل الشعور الوطني وسلخ الأجيال الحاضرة والقادمة من ولائها وسلب قدرات المقاومة عندها مثلما هو إضعاف العراق كعراق سيّد ومستقل وغير قابل للإذعان لأية قوّة خارجية.
أولئك الذين ينظرون إلى العراق بوصفه بلدًا هامشيًا طرفيًا مصنوع استعمارياً، يحوزون على نفوذ سلطوي وقوّة إعلامية وقدرات على زخ المعلومات المُضلِلة التي تهدف إلى إحداث تحوّلات في الولاءات وتحطيم الإرادة الوطنية واستبدال الهوية العراقية الجامعة بهويات فرعية. ويدرك الوطنيون المخلصون أنهم يواجهون قوى شرسة ومتنفذة وخبيرة بالتأثير، ومع ذلك فهم صامدون بالدفاع عن شخصيتهم المستقلة وروحهم الوطنية.
يشكّل هذا الصراع وبكلّ الأحوال علامةً فارقةً لهذا الزمن، ورغم قوته فإن الميزان يميل أكثر إلى صف المنادين بالعراقوية تاريخًا وحضارةً وقيماً ومصالح عليا، وهذا ما يمكن تلمّسه من وقائع حياتية مثل الحماس الذي يصاحب مباراة الفرق العراقية الرياضية وتشجيع المنتوجات المحلية والإشادة بإنجاز الشخصيات العراقية بمختلف التخصصات، لا سيما التي تحقق إنجازات علمية في خارج العراق. بيد أن الدفاع عن الهوية والتماسك الاجتماعي بحاجة إلى جهود ومثابرة من مثقفي العراق ونخبهم وزيادة النشاطات الثقافية الواقعية القريبة من الناس بدل الطيران عاليًا في فضاءات الفذلكة والغموض والرضوخ للأمر الواقع.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram