طالب عبد العزيز
ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم (المحميات)آنذاك، لم نكن نعي معنى "المحمية" ثم عرفنا أنها تعني الحماية البريطانية لهذه الامارات الصغيرة، التي كانت تُميَّز في الخريطة تلك بنقاط باهتة. لا بأس، فهذه المدن والقصبات الصغيرة لم تعد كذلك، فهي اليوم دولٌ لديها شعب، وحكومة، وعلم، وتمثيل دبلوماسي، ومعترف بها في المحافل الدولية، غير أنْ عليها ألأّ تتخطى حقيقتها التاريخية.. وهذا ما يجب التنبيه له، والوقوف عنده.
معلوم أنَّ الدولة العثمانية في عصورها المتأخرة، بعد خورها وضعفها كانت تستعين بالبدو وعرب الصحراء على تمكين ولاتها في البلدات البعيدة، من أجل جباية خراج البلدات تلك، ولأنها أرض نخل ووفرة وغلات كثيرة وعصيان مالكين فقد حدث أنْ استعملت بعض القبائل العربية بصفة (نواطير) وجباة بالقوة، وهذا ما يشير اليه أيضاً الدكتور طالب جاسم الغريب في كتابه (السلطة والمجتمع والارض في البصرة اواخر العهد العثماني الى نهاية الانتداب البريطاني : دراسة تاريخية) وتوصيف النواطير كثيراً ما يرد في الوثائق العثمانية، فهو حارس لا مالك، وكذلك الحال مع الاسر البصرية العريقة مثل الاسرة الردينية والاسرة الباش اعيانية وأسرة آل النقيب التي حكمت البصرة فيما بعد، لكنْ أن يدَّعي الناطور نفسه مالكاً فهذا ما لم يُبررُ في وثيقة، ولم يكتب في فرمان. لذا، فحال المدعين بملكية الماء المحيط بالبصرة أو ملكية خور عبد الله والقاعدة البحرية لا يستند الى ما يدعمه.
أنْ تقوم جهة سياسية ما بتخطيط حدوداً وتيصنعُ لك كياناً سياسياً هذا لا يعني أنك أصبحتَ دولةً بالمعنى التأريخي. كانت سفن الصين والهند تردُ ميناء البصرة قبل أنْ تطأ أقدامُ العرب المسلمين أرضها، وقبل أن يُكتشفَ النفط العربيُّ برمته ما كان الخليج إلا مجرى مائياً يصل العالم بالبصرة، ومجموع المحميات تلك كانت وحتى سقوط الدولة العثمانية؛ توابع صغيرة لمدينة عظمى اسمها البصرة .. ولسنا هنا في حيز التعريف بها، أو النيل من الآخر، أبداً إنما لنقف على الحقيقة التاريخية. نعم، تم تخطيط (الحدود) واقتطعت من البصرة مئات الكيلومترات المربعة لصالح دولة الكويت في عهد النظام السابق بقوة المنتصر، وبعد ذلك خسر العراق من سواحله ومياهه الكثير، وكان ذلك بقرار خارجي وخيانة المفاوض العراقي لكنَّ ذلك لا يعني تخطي الحقيقة التاريخية الموثقة فهي من أدبيات المنتصر والخاسر معاً.
لم تكن الخريطة البحرية التي سلمها العراق مؤخراً وأودعت في خزائن الأمم المتحدة لتكون لولا اعتراف المجتمع الدولي بالوثيقة التاريخية، وإقراره بأنَّ الحقائق الكبيرة لا يمكن تجاوزها، وهناك حديث آخر لديه ربما، فالعراق اليوم ليس عراق الامس، وهو وإن كان يمتلك ما يمتلك من القوة في الجيش والقوى الأخرى إلا أنه غادر منطق القوة ذاك الى ما هو أخفّ وأسهل، فهو لا يحتاج إلّا لمفاوض وطني ومخلص وقدير، وكان له في ذلك الرجال المخلصين، الذي أصروا؛ طوال سنوات وسنوات على لملمة تلابيب القضية(حق العراق في خور عبد الله ومياهه الإقليمية) وجعلها على طاولات الحوار وفي خزائن المجتمع الدولي، بعد قرار المحكمة الاتحادية.
ربما سيكون الاشقاء في الخليج بحاجة الى همسة مفادها بأنَّ ما خُطط للمنطقة ذات يوم، لم يكن منصفاً ولن يكون كذلك الى ما لا نهاية، فخلافات الحدود بين كثير من الدول المتجاورة ما تزال بين أخذ وردٍّ قائمة الى اليوم، والعراق ليس دولةً طارئة في التاريخ، فهي محور أساسي في جغرافيا الشرق الأوسط، وصانع الحدود الأول غير قادر على تزوير التاريخ. نعم، العراق فقيرٌ في مياهه وحدوده المائية، بالقياس الى الدول الخليجية الأخرى، لذا، من الانصاف عدم إحراجه وأغضابه، يا من تملك أضعاف حدوده تلك، هناك منعطف خطير قد يحدث لا على الخرائط حسب، فالمنطقة تمور حروباً، وحسابات المستقبل تختلف عن حسابات الماضي بكل تأكيد.









