صلاح نيازي
نُسِبتْ قصيدة "اليتيمة" إلى سبعة عشر شاعراً، اما الشنقيطي فنسبها إلى أربعين.
كذا اختلط الحابل بالنابل عمليّاً. حتى عنوان القصيدة: «اليتيمة» موضع خلاف.
’هل سُمّيَتْ كذلك لأنا قائلها مجهول، أم لأنْ لا مثيل لها، أم لأن الشاعر لم يكتبْ غيرها!
نصحتُ نفسي أنْ لا أدخل في هذه "الجعجعة ولا طحين" Much ado about nothing ))
قلت « الوقوف على التلّ أسلم»، والنظر إلى نصّ القصيدة كعمل فنّي
ليس إلّا، "وكفى الله المؤمنين شرّ القتال".
اعتمدت في قراءتي لنص اليتيمة، على مصدريْن فقط، هما: «القصيدة اليتيمة برواية
القاضي التنوخي، نشرها وقدّم لها صلاح الدين المنجّد، والمصدر الثاني، مقالة
بعنوان: "الحقول الدلالية في غزلية دوقلة التراجيدية- القصيدة اليتيمة ل
Muhammet Abozuglu الذي حاول قراءة النص بأسلوب علمي أكاديمي.
لنقل من البداية، إن قصيدة اليتيمة أيّا كان قائلها، وأيّاً كان العصر الذي أُلِّفتْ
فيه تختلف عمّا ألفناه في الشعر العربي قديماً، من ناحيتيْن في الأقل:
الابتعاد عن الأطلال التي أمستْ عادة مكرورة، في التأليف القديم، وثانياًً
حضور المرأة وعلى مسافة قصيرة ومتحاورة مع الشاعر. وجهاً لوجه.
المرأة في الشعر القديم غائبة في أحيان كثيرة.
عموماً من تقنيات هذه القصيدة، كثرة الإنسان فيها، المفاجآت والنماء
والماء والخضرة، وهذه صفات لا تتوفر في طلل.
بالإضافة فالوزن الشعري الذي اختاره الشاعر لقصيدته فإيقاع مدهش.
أيْ مجزوء بحر الكامل، وكأنّك تسمع عزفاً، وهو على النمط التالي:
مُتَفاعِلُنْ متفاعلنْ فَعِلُنْ
وفي العجز: مُتَفاعِلنْ متفاعِلُنْ فِعْلُنْ
وكأنّ فَعِلُنْ في الصدر توقف الروان الموسيقي، وهذا شيء حسن،
بينما فِعْلُنْ في عجز البيت فنبرة عروضية حادة قاطعة، ينقطع
معها النفس.
تتكوّن القصيدة من أربع لوحات تشكّ فيما بينها قصيدة موضوعية
متضامة.
اللوحة الأولى
تبدأ القصيدة:
« هل للطلول لسائلٍ ردُّ
أمْ هل لها بتكلّمٍ عهدُ"
الشاعر لا يبتهل للأطلال، كالشعراء القدامى المدمنين عليها.
الاستفهام هذا استنكاري ينفي أن كانت الأطلال قد تكلمت يوماً، لذا
عافها الشاعر، وانتقل في البيت الثاني، إلى جغرافية مختلفة تماماً.
يفاجئنا الشاعر في البيت الثاني بتشبيه جديد وكأنه ينقلنا إلى بيئة
غريبة:
«أبلى الجديد جديد معهدها
فكأنما هي ريطة جردُ"
(الريطة الجرد: كلّها نسيج واحد، والجديد: النهار، وربّما يعني بتواليه:
الزمن).
كيف شبّه الشاعر منزلاً، مهما كان متهدماً، بثوب مهلهل، وبذا ابتعد
بمهارة، عن الحجارة والنؤي، واقترب من كساء جسم بشريّ،
حتي لوكان ممزقاَ. هل لهذا النسيج البالي، رموز أخرى في
بقية القصيدة؟ لاريب إن اليتيمة تبدو مفككة في الظاهر، إلا انها
محبوكة كوحدة عضوية متسقة.
في البيت الثالث تتوسع الصورة الشعرية:
«من طول ما تبكي الغيوم على
عرصاتها ويقهقه الرعدُ"
حقق الشاعر في هذا البيت، غايتين مرّة واحدة، أولاّ نقل مستوى حاستي
البصر والسمع إلى أعلى، وثانياً دشّن أحد فنون علم البديع،
أي الطباق، كالبكاء والقهقهة.
(العرصات: البقعة الواسعة، ليس بها بناء).
بكاء الغيوم يفيد الطراوة والحياة والنماء الأخضر. في البيت التالي
تستمرّ الغيوم:
«وتلثّ سارية وغادية
ويكر نحس خلفه سعد"
(السارية والغادية: الغيوم الممطرة)
على هذا المنوال تنزل الصور الشعرية، الى الأرض، التي
بدأت تكتسي نباتاتها حللاً زاهية:
«فكست بواطنها ظواهرها
نوْراً كأنّ زهاءه بُردُ"
(الزَهاء: النضرة والإشراق)
هكذا عاد الشاعر بهذا التشبيه، إلى الثياب التي آبتدأ
بها في بداية القصيدة.
بملكة شعرية فائقة يتحول الشاعر فجأة إلى رسام يكتب بريشة،
فراح يرسم الطبيعة، وهي ترفل الآن بالورد، والنضرة، والماء
يجري رخاء. بهذه الطبيعة المترفة اليانعة، دبّت الحياة بالنباتات أولاً،
ثم بالحيوانات، بقراً وحشيّاً، وظليماً.
ولكنْ ما من إنسان. لا عجب ان يفتقد الشاعر حبيبته. تتبادر قطرات
الدموع على خدّيه. هي تتساقط كالعقد المنفرط،، أو كالماء المنسرب
من فم السقاء الذي راح يعدو به الخادم.
هذا الخادم الأجير، هو أوّل مخلوق بشري، يتمثّل في قصيدة اليتيمة.
اللوحة الثانية
ولكنْ أين دعد؟ لا بدّ من دعد. راح الشاعر يرسمها،
يجسّدها. فإذا هي بيضاء، وشعرها أسود فاحم متجعد.
« وجه مثل الصبح مبيضٌّ، وفرعٌ مثل الليل مسودّ".
بهذين التشبيهيْن وُلِد الطباق، وهو على أشِّدّه جمالاً:
« ضدّانِ لمّا استجمعا حسنا
والضدّ يظهر حسنه الضدُّ"
بعد هذه القولة الطريّة، يشرع الشاعر برسم أو بخلق دعد.
تبدأ ريشته بجبينها أوّلاً، فإذا هو واسع واضح، ثمّ يثنّيه
بالحاجب فإذا هو طويل مزجج، ولكن حينما
جاء إلى العين، لم يجسدها، وإنما توقف ربما بذهول عند نظرتها الحيية،
وكأنهما يتبادلان التلهف والشهقة. نظرة دعد جذابة بخفرها:
«وكأنها وسنى إذا نظرتْ
أوْ مدنفٌ لمّا يُفقْ بعدُ"
يمعن الشاعر بعد ذلك، بتصوير الأنف، والخدّ المتورد بالنعمة، والأسنان
ورضابها شهد والجيد، والبطن المتطوّي لحماً:
«والبطن مطويّ كما طويتْ
بيض الرياط يصونها الملدُ"
(الرياط ج ريطة: الثوب اللين الرقيق) يقول إنّ بطنها له عكن أي: طيّات.
وهكذا من الخصر إلى الفخذ، فالساق، فالكعب، وهنا بيت القصيد.
فمن ناحية انها استوت بشراً قادرة على المشي. يقول الشاعر:
«ومشتْ على قدميْن خُصِّرتا
والينتا فتكامل القدُّ"
يقول الشارح:( خُصِّرتْ قدماها أيْ مشتْ على مقدمة
القدم ومؤخرته، وارتفع وسطه، فلا يلمس الأرض)
لا بدّ أن نبحث عند هذا الحدّ حقيقتين: أوّلاً
ما أوجه التشبيه الذي تفوّق به الشاعر، وثانيا هل تأثّر «بنشيد الإنشاد».
من الصعب الجزم ان هذا الشاعر تأثر بسفر نشيد الإنشاد، مع ذلك
ثمّة مخايل متشابهة، قد لا تأتي عفوا، أو من باب وقوع الحافر على الحافر.
ففي الإصحاح الرابع، مشهد احتفال زواج سليمان من شولميت. يقول سليمان
«...ها أنت جميلة يا حبيبتي، عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع
معزرابض على جبل جلعاد.أسنانك كقطيع الجزائر..شفتاك كسلكة من القرمز...
خدّك كفلقتي رمّانة، ...عنقك كبرج داود...ثدياك كخشفتيْ ظبية توأمين
يرعيان بين السوسن...»
وتصف شولميت حبيبها، في الإصحاح الخامس لبنات اورشليم:" حبيبي
أبيض وأحمر، ...قصصه مسترسلة حالكة كالغراب، عيناه كالحمام
على مجاري المياه مغسولتان باللبن، خدّه كخميلة الطيب... بطنه عاج ابيض
. ساقاه عمودا رخام... طلعته كلبنان...».
قلنا إنّ الميزة الثانية، لهذه اليتيمة، هي عمق التشبيه، وسلاسته، وقد
تكرر ست عشرة مرّة، وشمل جميع أنواع التشبيه: البليغ، والمرسل،
والتمثيلي...
كثرة التشابيه وتنوّعها، ينمّ عن موهبة شعرية خصيبة، وأهمّ من ذلك
على قابلية تقمّص الاشياء، بحيث يبدو المشبه به هو في حدّ ذاته
صورة فنية قائمة بذاتها.
من هذه التشبيهات المركّبة، قوله مثلاً:
«والجيد منها جيد جازئة
تعطو إذا ما طالها المردُ"
(يقول الشارح: الجازئة : الظبية. تعطو: ترفع رأسها، المرد: شجر
الأراك).
لم يكتف الشاعر بتشبيه جيد معشوقته بجيد الظبية، وإنما جعل
الظبية ترفع رأسها لتطول الشجرة، فأصبح الجيد أطول، وأكثر
جمالاً، ووضوحاً.
وفي تشبيه آخر، يشبه الشاعر نظرة حبيبته بالوسنى، أي أخذها
ثقل النوم. وأردف ذلك بنظرة مدنف أي المريض جرّاء الحب،
وانه لم يُفِقْ بعد، ثمّ عاد إلى العين فوصفها بالفتور. يستدرك الشاعر
فيقول إنه فتور ليس ناجماً عن علة وإنما هوالذي يُطبّب العلل.
تبدأ ريشة الرسام الشاعر أولاً من الأعلى بالجبين، وينحدر إلى أسفل،
إلى الحاجب، فالأنف، فالخدّ المتورّد» إلى أن يصل إلى القدم،
فتستوي كائناً بشريّاً، قادراّ على المشي. يقول الشاعر:
«ومشتْ على قدمين خُصّرتا
وألينتا فتكامل القدُّ"
يقول الشارح :» خصّرتْ قدماها أي مشتْ على مقدمة القدم ومؤخرته
وارتفع وسطه ولا يلمس الأرض.»
هذه لوحة عجيبة حقّاً. لتوقيت مشية فتاة اللوحة أهميتان استثنائيتان.
أوّلا مكنت الشاعر من الانتقال إلى اللوحة الثالثة بسلاسة، وثانياً
تيسر اللقاء بينهما.
اللوحة الثالثة
كذا استحضر الشاعر، فتاته دعد، وها هو بأقصى ضعفه الإنساني.
راح يتوسّل:
«إن لم يكنْ وصلٌ لديك لنا
يشفي الصبابة فليكنْ وعدُ"
في البيت التالي، يبدو أن ودّاً كان قائماً بينهما بالفعل، شبهه الشاعر
بالنبات المورق، ثمّ ذوى. يقول الشاعر:
«إن تتهمي فتهامة وطني
أو تنجدي يكن الهوى نجدُ"
وبعد، فرغم أنّ دعد كانت تضمر له نوعاً من الود ، إلا أنها كانت
لها كانت لها الكلمة العليا :
«وإذا المحب شكا الصدود ولم
يُعطفْ عليه فقتله عمد"
السرّ في جملة يعطف عليه، لأنها مظهر آخر مم مظاهرالضعف
الإنساني، وما القتل العمد هنا إلا لتليين قلبها واستدرار عطفها.
اللوحة الرابعة:
أين دعد؟ صاحب اليتيمة لا يدري، هل أتهمتْ دعد أمْ أنجدتْ.
وحيداً. ما من إنس غيره. ثيابه بالية، تُذكّر بالأطمار الرثة
في أوّل القصيدة. يقول الشاعر:
«أوَما ترى طِمريّ بينهما
رجل ألحّ بهزله الجدّ»
مع ذلك وجد الشاعر في ضعفه الإنساني، قوّة من نوع ما،
مشبهاً نفسه بالسيف ذي الصدأ، إنه يقطع كذلك:
«هل تنفعنّ السيف حليته
يوم الجلاد إذا نبا الحدّ"
قد يكون هذا البيت خاتمة محمودة لهذه المقالة، فما تبقّى
من القصيدة تداعيات أشبه بالمبالغات، يسبغها الشاعر على
نفسه وعلى سلفه، إنْ جزافاً أو غير جزاف.
اليتيمة

نشر في: 25 فبراير, 2026: 12:03 ص








